📱 الجرائم الإلكترونية

العقوبات القانونية لتداول الشائعات والسب والقذف عبر وسائل التواصل

📅 ١ أكتوبر ٢٠٢٦ ✍️ فريق منصة المحامي الرقمية ⏱️ 9 دقائق قراءة
العقوبات القانونية لتداول الشائعات والسب والقذف عبر وسائل التواصل

أصبح التطور الرقمي المتسارع وسيلة تواصل أساسية تجمع أكثر من 50 مليون مستخدم في مصر عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة مثل "فيسبوك"، "واتساب"، "إنستغرام"، و"تيك توك". ورغم ما تتيحه هذه المنصات من حرية في التعبير وسرعة في تداول المعلومات، إلا أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مفتوحة لنشر الشائعات، والمساس بحرمة الحياة الخاصة، وارتكاب جرائم السب والقذف والتشهير. يهدف هذا المقال القانوني الشامل إلى إلقاء الضوء على المنظومة التشريعية المصرية التي تصدت لهذه الظاهرة، مبيناً المواد القانونية، والعقوبات المقررة، والإجراءات العملية الآمنة للتقاضي واسترداد الحقوق وفقاً لأحدث القوانين وأحكام محكمة النقض المصرية.

1. الإطار التشريعي والقانوني للجرائم الإلكترونية في مصر

يتشكل النظام القانوني المصري لمواجهة الجرائم الإلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي من نسيج تشريعي متكامل يجمع بين القواعد التقليدية المنصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين المتخصصة الحديثة التي صدرت لمواكبة التطور التكنولوجي. لم يعد الجاني بمأمن من العقاب لمجرد أنه يختبئ خلف شاشة افتراضية أو اسم مستعار، بل أصبحت يد العدالة تطال كافة الممارسات غير المشروعة عبر وسائل تقنية المعلومات.

تتمثل التشريعات الرئيسية الحاكمة لجرائم الشائعات والسب والقذف الإلكتروني في مصر في التشريعات التالية:

💡

تكامل القوانين: عند ارتكاب جريمة سب أو قذف عبر "فيسبوك" أو "واتساب"، لا يُطبق قانون العقوبات بمفرده، بل يتم الجمع بينه وبين قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 وقانون الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، مما يغلظ العقوبة ويجعل المحكمة الاقتصادية هي المختصة محلياً ونوعياً بنظر الدعوى.

مثال عملي من الواقع المصري: قام أحد المواطنين بنشر "منشور" (Post) على تطبيق فيسبوك يتهم فيه جاره بالنصب والاحتيال مع وضع صورته الشخصية. في هذه الحالة، يتكامل تطبيق المادة (302) من قانون العقوبات (قذف) مع المادة (25) من القانون رقم 175 لسنة 2018 (انتهاك الخصوصية) والمادة (76) من القانون رقم 10 لسنة 2003 (تعمد الإزعاج عبر وسائل الاتصال)، مما يعرض الجاني لعقوبات متعددة سالبة للحرية وغرامات مالية ضخمة.

2. التكييف القانوني لجريمة تداول الشائعات والأخبار الكاذبة

تُعد الشائعة من أشد الجرائم خطورة على الأمن القومي والسلم المجتمعي، حيث تُعرف قانوناً بأنه "نشر أو إذاعة أو تداول أخبار أو معلومات أو شائعات غير صحيحة أو مغرضة بغير سند قانوني، وكان من شأن ذلك إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمال العام أو المصلحة العامة".

يتطلب قيام هذه الجريمة توافر أركان قانونية محددة يقع على عاتق النيابة العامة إثباتها:

  1. الركن المادي: ويتحقق بفعل الإذاعة، أو النشر، أو الإعادة، أو التداول بأي وسيلة رقمية (مشاركة المنشور Re-share، أو إرساله في مجموعات الواتساب، أو تسجيل صوتي عبر التليجرام).
  2. الركن المعنوي (القصد الجنائي): علم الجاني بأن الخبر كاذب أو غير مصدق من مصادر رسمية، متوجهاً بإرادته إلى نشره وتداوله بين العموم.
  3. الركن المفترض (الضرر): أن يكون النشر من شأنه كدير الأمن العام، أو إلقاء الرعب بين الناس، أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

استند المشرع المصري في تجريم الشائعات إلى نصوص صارمة في قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات:

مثال عملي من الواقع المصري: في ظل أزمة اقتصادية أو صحية، يلاحظ انتشار مقطع فيديو أو تسجيل صوتي (Voice Note) على مجموعات "واتساب" يدعي فيه صاحبه "إفلاس بنك معين" أو "تلوث مياه الشرب في محافظة كفر الشيخ". حتى لو لم يكن يعلم متداول المقطع بمصدره، فإن مجرد قيامه بإعادة توجيهه (Forward) للآخرين يضعه تحت طائلة المادة (102 مكرر) من قانون العقوبات والمادة (25) من قانون 175 لسنة 2018 بتهمة ترويج الشائعات وتكدير السلم العام.

3. أركان وعقوبات الجرائم الواقعة على الأشخاص: السب والقذف والتشهير الإلكتروني

يخطئ الكثيرون بالتعدي لفظياً على الآخرين في المساحات الرقمية، ظناً منهم أن "عالم الإنترنت" معفي من الرقابة. يفرق القانون المصري بدقة بين مفهومي "القذف" و"السب" وإن كان كلاهما يشكل جريمة جنائية تُرتكب عبر الشبكة المعلوماتية.

أولاً: جريمة القذف (Libel/Slander involving attribution of facts)
القذف هو إسناد واقعة معينة للمجني عليه لو صحت لأوجبت عقابه بمقتضى القوانين أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه. فمثلاً قولك ل شخص في منشور: "أنت سرقت خزينة الشركة يوم الأحد الماضي" هو قذف لأنه يتضمن إسناد واقعة محددة ذات طابع جنائي أخلاقي.

ثانياً: جريمة السب (Insult/Abuse)
السب هو خدش الشرف والاعتبار بأي وجه من الوجوه دون أن يتضمن إسناد واقعة معينة. مثل توجيه الشتائم والألفاظ الخرسانية أو الوضيعة للشخص على صفحته العامة أو في رسالة خاصة عبر "ماسينجر".

العقوبات المنصوص عليها في التشريع المصري لهذه الجرائم تتدرج حسب درجة العلانية ووسيلة النشر:

💡

تغليظ العقوبة عند استخدام الحاسب الآلي: مستقر في أحكام محكمة النقض المصرية أن استخدام الوسائل الإلكترونية المتاحة للجمهور (مثل صفحات فيسبوك العامة أو المجموعات) يُعد ظرفاً مشدداً للجريمة لتحقق علانية النشر وتوسع نطاق الانتشار، مما يدفع المحكمة لتطبيق الحدود القصوى للعقوبة Salient penalties.

مثال عملي من الواقع المصري: نشب خلاف بين زميلين في عمل بشركة استيراد وتصدير بالقاهرة. قامت زميلة بإنشاء حساب وهمي (Fake Account) ونشرت منشورات في مجموعات خاصة بمنطقة سكن زميلها تتهمه فيها بـ "التحرش والتزوير" ونشرت هاتفه. تم تحرير محضر بمباحث الإنترنت، وتم الاستدلال على الرقم التعريفي (IP Address) الخاص بهاتفها، وصدر حكم من المحكمة الاقتصادية بعقابها بالحبس سنة وغرامة 100 ألف جنيه وتكليفها بالتعويض المدني المؤقت لصالح المجني عليه.

4. حماية الحياة الخاصة والاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية

حرص المشرع المصري في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 على إفراد نصوص حاسمة لحماية حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، والتي كثيراً ما تنتهك عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي من خلال التقاط الصور بدون إذن، أو تسريب المحادثات الشخصية، أو انتهاك القيم المجتمعية.

تتمثل أبرز المادتين المجرّمتين لهذه الأفعال فيما يلي:

المادة (25) من القانون رقم 175 لسنة 2018:
تنص بصريح العبارة على: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج البضائع أو الخدمات دون موافقته، أو بالقيام بالنشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات لجميع معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها، تتصل بحرمة الحياة الخاصة بالمواطنين دون رضاهم، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة".

المادة (27) من ذات القانون (إغلاق الموقع/الحساب):
توجب على المحكمة في حالة الإدانة بإنشاء حساب أو موقع لإرتكاب الجرائم المنصوص عليها، الحكم بإنشاء الموقع أو الحساب الإلكتروني مسرح الجريمة، ومصادرة الأدوات والآلات المستخدمة في الجريمة.

الأركان القانونية لجريمة انتهاك الخصوصية عبر الإنترنت:

مثال عملي من الواقع المصري: قام شاب أثناء تواجده في أحد المطاعم بمدينة نصر بتصوير فتاة وجالس معها وشخص آخر دون علمهما، ثم نشر الصورة على "تيك توك" مع التعليق بسخرية على طريقة حديثهما. تقدمت الفتاة ببلاغ للنيابة العامة مستندة للمادة (25) من القانون 175 لسنة 2018. قضت المحكمة الاقتصادية بإدانة المتهم بالحبس 6 أشهر وغرامة 50 ألف جنيه لمساسه بحرمة الحياة الخاصة والتقاط صور دون رضاء صاحبها.

5. الإجراءات القانونية المتبعة لتحرير محضر وتحريك الدعوى الجنائية

يتطلب اتخاذ المسار القانوني الصحيح لإثبات جرائم السب والقذف والشائعات عبر الإنترنت دقة متناهية وإلماماً بالإجراءات والمهل القانونية الصارمة التي نص عليها القانون المصري، وخاصة قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950.

فيما يلي الخطوات المنظمة والجدول الزمني للتحرك القانوني:

  1. توثيق الجريمة (حفظ الأدلة الرقمية):

    فور تعرضك لسب، قذف، أو تشهير، أو رصد شائعة ضارة، يجب الاحتفاظ بـ (Screenshots) للمنشور أو المحادثة مع إظهار رابط الصفحة (URL)، وتاريخ ووقت النشر، ورقم هاتف المعتدي إذا كان التواصل عبر "واتساب". يُفضل تسجيل فيديو للشاشة أثناء فتح الصفحة لضمان عدم الاحتجاج بتزوير الصور.

  2. التحرك لمقر إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات (مباحث الإنترنت):

    يتوجه المجني عليه أو وكيله القانوني (محامٍ بموجب توكيل رسمي يبيح المرافعة الجنائية والتقديم للبلاغات) إلى مقر إدارة الفحص الفني بمبنى وزارة الداخلية بالقاهرة (العباسية/التجمع) أو إلى أقسام المباحث الإلكترونية بمديريات الأمن بالمحافظات.

  3. فحص الدليل واستخراج التقرير الفني:

    يقوم ضابط الفحص الفني بطلبات التأكد من صحة الحساب، وفحص رابط الصفحة، واستخراج الفحص التكنولوجي الذي يحدد الـ IP Address، ومكان صدور الرسائل، والملكية الحسابية. يُحرر محضر رسمي بتقرير الفحص الفني.

  4. قيد المحضر وإحالته للنيابة العامة:

    يتم إرسال المحضر

🚀 جرّب منصة المحامي الرقمية مجاناً