تشهد جمهورية مصر العربية تحولاً رقمياً شاملاً يمس كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومع هذا التطور التكنولوجي المتسارع، برزت أنماط جديدة من الجرائم المستحدثة التي تتخذ من الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي مسرحاً لها. لم يكن المشرع المصري بمعزل عن هذه المتغيرات، بل تصدى لها ببيئة تشريعية صلبة تجمع بين الأحكام العامة في قانون العقوبات المصري والتشريعات التخصصية الحديثة. يهدف هذا المقال القانوني الشامل إلى تسليط الضوء على المنظومة التشريعية المصرية المناهضة للجرائم الإلكترونية والابتزاز الرقمي، وتفكيك النصوص القانونية، وبيان العقوبات المقررة، وتوضيح الإجراءات المتبعة رسمياً للإبلاغ عن هذه الجرائم وطريقة تحرير المحاضر وضمان حجية الأدلة الرقمية أمام المحاكم الاقتصادية والجنائية.
أولاً: الإطار التشريعي الحاكم للجرائم الإلكترونية في القانون المصري
تستند الحماية القانونية للمواطنين والمقيمين داخل جمهورية مصر العربية ضد الجرائم الإلكترونية إلى شبكة متكاملة من القوانين والتشريعات، حيث تتداخل النصوص العامة مع القوانين الخاصة لتوفير غطاء حماية جنائي ومدني متكامل. يُعد فهم هذه القوانين الخطوة الأولى لإدراك الحقوق والالتزامات في العالم الرقمي.
يتصدر هذه التشريعات القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهو التشريع التخصصي الأول الذي نظم الجرائم الإلكترونية بشكل مباشر ومفصل. يتكون هذا القانون من 45 مادة تُغطي صور المساس بالنظم والمعلومات والشبكات، بالإضافة إلى حماية الحرمة الخاصة والبيانات الشخصية. إلى جانب هذا القانون، يظل قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته هو الشريعة العامة التي يُرجع إليها في تجريم أفعال الابتزاز التقليدي، والتهديد، والسب والقذف، والنصب، عندما تُرتكب باستخدام الوسائل الإلكترونية.
كذلك يلعب القانون رقم 151 لسنة 2020 بشأن حماية البيانات الشخصية دوراً محورياً في حماية المعالجة الرقمية للبيانات وتجريم جمعها أو معالجتها أو الإفصاح عنها دون موافقة صاحبها. ولا يمكن إغفال القانون رقم 15 لسنة 2004 بشأن تنظيم التوقيع الإلكتروني والذي وضع القواعد الأساسية للحجية القانونية للمحررات الرقمية، إلى جانب قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته الذي يحدد المواعيد والقيود المقررة لرفع الدعوى الجنائية.
معلومة قانونية هامة: يستوعب القانون المصري الجرائم الإلكترونية سواء تم ارتكابها من داخل البلاد أو من خارجها، طالما ترتبت أثارها الإجرامية داخل الأراضي المصرية، وذلك وفقاً لمبدأ إقليمية القانون الجنائي المنصوص عليه في المادة (1) من قانون العقوبات المصري، والمادة (3) من القانون رقم 175 لسنة 2018.
تتكامل هذه التشريعات لتمنح سلطات التحقيق والمحاكم المختصة، وعلى رأسها المحاكم الاقتصادية (التي تختص بنظر الجرائم الناشئة عن تطبيق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات طبقاً للقانون رقم 120 لسنة 2008)، الصلاحيات الكاملة لملاحقة الجناة وتطبيق أشد العقوبات المقيدة للحرية والمالية.
مثال عملي من الواقع المصري: أقدم أحد الأشخاص على إنشاء حساب مستعار على منصة "فيسبوك" واستغله في التشهير بجار له في حي مصر الجديدة بالقاهرة ونشر إدعاءات كاذبة تمس سمعة أسرته. تجسد هذه الواقعة التداخل القانوني؛ حيث يعاقب المتهم بموجب المادة (26) من القانون رقم 175 لسنة 2018 المتعلقة بتعمد استخدام برنامج معلوماتي لربط محتوى بمحتوى شخصي لإساءة السمعة، إلى جانب مواد السب والقذف في قانون العقوبات (المادتين 306 و308).
ثانياً: جريمة الابتزاز الإلكتروني والمساس بالحرمة الشخصية
تُعد جريمة الابتزاز الرقمي من أكثر الجرائم تفشياً وخطورة في الآونة الأخيرة، نظراً لما تسببه من أضرار نفسية واجتماعية جسيمة للضحايا. ينقسم الابتزاز في التشريع المصري إلى شقين: شق يتعلق بالتهديد المصحوب بالتكليف بأمر (مثل طلب أموال أو أفعال منافية للآداب)، وشق يتعلق بالانتهاك المجرد للحرمة الخاصة للشرائح المجتمعية المختلفة.
تنص المادة (327) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 على أن كل من هدد غيره كتابة بأية وسيلة من الوسائل بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال أو بإفشاء أمور أو نسبة أمور مخدوشة بالشرف وكان التهديد مصحوباً بطلب أو بتكليف بأمر، يعاقب بالسجن (وهي عقوبة جناية قد تصل إلى 15 سنة إذا كان التهديد بإفشاء أمور مخدوشة بالشرف). أما إذا كان التهديد غير مصحوب بطلب، فتكون العقوبة الحبس.
أما على صعيد التشريع التخصصي، فقد فرضت المادة (25) من القانون رقم 175 لسنة 2018 عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيمة الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته.
كما فرضت المادة (26) من ذات القانون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من تعمد استخدام برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمدنسات أو أمور خرساء أو أفعال خادشة للحياء، أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه.
تغليظ العقوبة عند الجمع بين الابتزاز والابتزاز الجنسي: إذا اقترن الابتزاز بطلب ممارسات غير مشروعية أو استغلال قاصر، فإن العقوبة ترتقي من جنحة إلى جناية مقيدة للحرية، وتتضاعف الغرامات المالية لتبدأ من 100 ألف جنيه وتصل إلى 500 ألف جنيه في الحالات المشددة وفقاً للتعديلات الأخيرة لقانون العقوبات والمادة (306 مكرراً ب).
تتضمن العقوبات السالمة للحرية في هذه الجرائم إلزام المحكمة بضبط الأدوات والمعدات والبرامج المستخدمة في ارتكاب الجريمة ومصادرتها، ونشر الحكم على نفقة المحكوم عليه في جريدة واحدة أو أكثر أو على شبكة المعلومات طبقاً للمادة (38) من القانون رقم 175 لسنة 2018.
مثال عملي من الواقع المصري: تلقت فتاة تبلغ من العمر 22 سنة في مدينة طنطا تهديدات عبر تطبيق "واتساب" من زميل سابق لها بالجامعة، يطالبها بدفع مبلغ 50 ألف جنيه مصري، وإلا سيقوم بنشر صور خاصة لها كان قد تحصل عليها أثناء فترة خطبتهما بعد تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. عقب اتخاذ الإجراءات القانونية والإبلاغ، قُدم المتهم للمحاكمة الاقتصادية وصدر ضده حكم بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات، وبغرامة مالية قدرها 200 ألف جنيه، ومصادرة الهاتف المستخدم.
ثالثاً: جرائم اختراق الحسابات والانتهاك الرقمي للملكية والبيانات
أصبح اختراق الحسابات شخصية كانت أو مؤسسية، وتسريب البيانات أو الاستيلاء على البريد الإلكتروني، من الأفعال المجرمة بنصوص صريحة وقاسية في القانون المصري لحماية السلامة الرقمية والأمن المعلوماتي للدولة والأفراد.
تناولت المواد من (14) إلى (18) من القانون رقم 175 لسنة 2018 صور الاختراق الرقمي المختلفة وقسمتها كالتالي:
- الدخول غير المشروع (المادة 14): يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، كل من دخل عمداً، أو بباعث غير مشروع، موقعاً أو حساباً خاصاً أو نظاماً معلوماتياً محظور الدخول عليه. فإذا نتج عن الدخول إتلاف أو تغيير أو محو للبيانات، تصبح العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين والغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه.
- تجاوز حدود الحق في الدخول (المادة 15): يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 30 ألف جنيه كل من تجاوز دواعش الحق في الدخول المصرح له به من حيث الزمان أو مستوى الدخول.
- اعتراض المخاطبات والبيانات (المادة 16): يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 250 ألف جنيه كل من اعترض أو تنصت أو أعاق بدون وجه حق أية اتصالات أو بيانات متدفقة عبر شبكة معلوماتية.
- الاعتداء على سلامة البيانات والمعلومات (المادة 17): تُفرض عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه على كل من أتلف أو غير أو محا بيانات أو معلومات شفرات تشغيل موقع أو حساب خاص.
- الاعتداء على البريد الإلكتروني والحسابات الخاصة (المادة 18): يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر، وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 30 ألف جنيه، كل من أتلف أو اختل أو اخترق بريداً إلكترونياً أو موقعاً أو حساباً خاصاً بصاحبه.
التشديد في حالة البنوك والجهات الحكومية: تغلّظ هذه العقوبات لتصل إلى السجن المشدد والغرامة التي لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه إذا وقع الاختراق على شبكة أو موقع أو نظام معلوماتي يدار بواسطة الدولة أو إحدى هيئاتها العامة أو البنوك والمؤسسات المالية المصرية.
مثال عملي من الواقع المصري: قام مهندس برمجيات يعمل بشركة توزيع تجاري في مدينة الإسكندرية باختراق الحساب المالي للمدير العام على تطبيق "تليجرام" وسحب بيانات العملاء واستخدمها في تأسيس شركة منافسة. تم تتبع الرقم التعريفي IP وتحديد موقعه بالتنسيق مع إدارة تكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، وصدر ضده حكم بالحبس لمدة سنتين وغرامة 100 ألف جنيه بتهمة الاعتداء على سلامة البيانات والوصول غير المشروع.
رابعاً: الاحتيال المالي والنصب عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة
تطورت وسائل الاستيلاء على أموال المواطنين من الطرق التقليدية للنصب إلى أساليب رقمية شديدة التعقيد، مثل المحافظ الإلكترونية، وبطاقات الدفع البنكي، والصفحات الوهمية للمتاجر، وتطبيقات الاستثمار الهرمي والتداول اللاقانوني.
تصدت المادة (23) من القانون رقم 175 لسنة 2018 لجرائم الاحتيال المالي الإلكتروني، حيث نصت على:
"يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم التكنولوجيا المالية أو أي وسيلة إلكترونية للاستيلاء لنفسه أو للغير على مال مملوك للغير، أو سند ناقل لملكية هذا المال، وذلك بإتباع أي من طرق الاحتيال، أو بسلب كل أو بعض الأصول المالية باستخدام شبكة المعلومات."
كما تطبق أحكام المادة (336) من قانون العقوبات بشأن النصب إذا كان الأسلوب الاحتيالي يتضمن استخدام أرقام سرية أو بطاقات ذكية أو الاستيلاء على بيانات البطاقات البنكية (Credit Cards) عن طريق الرسائل النصية المزيفة (Phishing).
كذلك تضمن المادة (24) من قانون جرائم تقنية المعلومات عقوبات مشددة بشأن اصطناع الحسابات الإلكترونية والمواقع الوهمية التي تُستخدم في النصب، بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، وتتضاعف إذا استُغلت هذه الحسابات الاصطناعية في التغرير بالضحايا مالياً.
تنبيه قانوني لحماية التعاملات المالية: إن قيام أي شخص بإعطاء كود التفعيل (OTP) الخاص بحسابه البنكي أو محفظته الإلكترونية لأي شخص آخر ادعى أنه موظف خدمة عملاء لا يعفي الجاني من المسؤولية الجنائية، ولكنه يستوجب سرعة إبلاغ البنك المركزي وقطاع مباحث الأموال العامة ومباحث الإنترنت لوقف الحسابات فوراً واقتفاء أثر التحويلات المالية.
مثال عملي من الواقع المصري: أقام أحد الأشخاص في محافظة الجيزة صفحة وهمية على منصة "إنستغرام" تحت مسمى شركة لتجارة الأجهزة الكهربائية بأسعار مخفضة، واستولى من أكثر من 30 مواطناً على مبالغ مالية تجاوزت 400 ألف جنيه مصري عبر تحويلات على المحافظ الإلكترونية للهواتف المحمولة. تم القبض عليه وإحالته للمحكمة الاقتصادية وقُضي بحبسه 3 سنوات وإلزامه برد المبالغ للمجني عليهم والتعويض المدني المؤقت.
خامساً: دليل خطوة بخطوة: كيفية الإبلاغ الرسمي والمسار الإجرائي
يتطلب الإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية والابتزاز في مصر اتباع خطة إجرائية دقيقة لضمان عدم ضياع المعالم الرقمية للجريمة وتجنب بطلان الإجراءات أمام النيابة العامة والمحكمة.
إليك الخطوات التفصيلية المرتبة للتعامل مع أي جريمة إلكترونية منذ لحظة وقوعها:
- توثيق الدليل الرقمي فوراً: قم بأخذ لقطات شاشية (Screenshots) لكافة المحادثات، والرسائل، والتهديدات، مع الحرص على إظهار الرقم التلفوني للراسل أو الرابط المباشر (URL) للحساب أو الصفحة الفاعلة. لا تقم بحذف المحادثات أو عمل حظر (Block) للجاني قبل التوثيق.
- الاتصال بالخط الساخن أو تقديم البلاغ الهاتفي: يمكنك التواصل فوراً مع إدارة تكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية (مباحث الإنترنت) عبر الخط الساخن المخصص (108)، المتاح على مدار 24 ساعة للتعامل السريع مع حالات الابتزاز الطارئة.
- التوجه للمقر الرسمي لمباحث الإنترنت:
- قاطنو القاهرة الكبرى: التوجه إلى مقر إدارة تكنولوجيا المعلومات بأكاديمية الشرطة العباسية (أو بمقر وزارة الداخلية بالتجمع الخامس).
- قاطنو المحافظات: التوجه إلى مديرية الأمن التابع لها محل إقامتك، والذهاب إلى قسم "مباحث تكنولوجيا المعلومات" بالمديرية.
- تحرير المحضر الرسمي: يلزم حضور المجني عليه بشخصه أو بحضور وكيله الخاص (محام بموجب توكيل رسمي يبيح تقديم البلاغات الجنائية). قم بتقديم الهاتف المحمول أو الجهاز الذي استقبل الرسائل، ليقوم الفني المختص بفحصه وتحرير تقرير فني مرفق بالمحضر.
- تقديم البلاغ عبر منصات النيابة العامة: يمكن أيضاً تقديم بلاغ رسمي إلكتروني عبر الموقع الرسمي للنيابة العامة المصرية أو من خلال العريضة الإلكترونية للمكتب الفني للنائب العام.
- متابعة المحضر ورقم القيد: استلام رقم المحضر الرسمي (سواء كان رقم جنحة مباشرة أو رقم قيد بمباحث الإنترنت)، ومتابعته حتى إحالته للنيابة العامة المختصة (النيابة الجزئية أو نيابة الشؤون المالية والتجارية) وصولاً للمحكمة الاقتصادية.
المواعيد والمهل القانونية القاطعة: يجب الانتباه جيدا للمادة (3) من قانون الإجراءات الجنائية؛ فإذا كانت الجريمة الإلكترونية تندرج تحت جرائم الشكوى (مثل السب، القذف، أو التعدي على الحرمة الشخصية بدون ابتزاز مال)، فيجب تقديم الشكوى في موعد أقصاه ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها، وإلا سقط الحق في رفع الدعوى الجنائية.
تغطي الخدمات الإجرائية شريحة واسعة دون تحميل المواطن أي رسوم قضائية عند تقديم البلاغ الأول بمقر مباحث الإنترنت، وتصدر الفحوص الفنية مجاناً كجزء من أداء جهاز الشرطة الخدمي.
سادساً: حجية الأدلة الرقمية والتحليل الفني الجنائي أمام المحاكم
تختلف الأدلة الرقمية عن الأدلة المادية التقليدية بكونها غير ملموسة وسريعة التغير والزوال، لذلك وضع المشرع المصري ضوابط صارمة لقبول الشواهد الإلكترونية كأدلة إثبات جنائية أمام القضاء.
نظمت المادة (11) من القانون رقم 175 لسنة 2018 والمادة (15) من قانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004 الحجية القانونية للأدلة الرقمية، حيث اعتبرت أن للأدلة الناتجة عن المعطيات والحاسبات ذات الحجية المقررة للمحررات الرسمية أو العرفية في الأحكام الجنائية، بشرط استيفائها للشروط الضابطة الآتية:
- سلامة النظام الرقمي: أن يكون الدليل مخزناً أو مستخرجاً من جهاز أو نظام معلوماتي يعمل بصورة منتظمة ولم يتعرض لأي تلاعب أو تعديل غير مصرح به.
- القدرة على التتبع الفني: أن تتيح التقنيات المستخدمة إمكانية الوصول إلى المطبوعات الأصلية ورقم المعرف الرقمي (IP Address) والرقم المسلسل للجهاز (IMEI).
- التقرير الفني المعتمد: لا تكتفي المحاكم المصرية بـ "صور الشاشة" المقدمة من الضحية، بل تعتمد كلياً على التقرير المرفق من مهندسي قسم الفحص الفني بوزارة الداخلية، والذي يثبت بصمة المحتوى الرقمي وفحص السجلات الإلكترونية (Log Files).
لذلك، يسهم التكتيك الدفاعي الصحيح للمجني عليه في الحفاظ على الجهاز الفعلي وعدم فورمتة (Format) الهاتف أو مسح المحادثات حتى تفرغ النيابة العامة من معاينته وندب الخبراء المختصين من قسم المساعدات الفنية.
مثال عملي من الواقع المصري: في قضية ابتزاز جرت أحداثها بمدينة المنصورة، دفع محامي المتهم ببطلان الصور الضوئية المرفقة من المجني عليها وادعى أنها مصنوعة باستخدام تطبيق لتعديل المحادثات. استبعدت المحكمة الصور الضوئية المطبوعة، واعتمدت كلياً على التقرير الفني الصادر من إدارة تكنولوجيا المعلومات الذي فحص الهاتف استناداً للسجلات الرقمية المستخرجة من شريحة الاتصال والسيرفرات المركزية لشركة الاتصالات، وقضت بإدانة المتهم بناءً على هذا الدليل الفني القاطع.
خاتمة ورسالة توعوية
إن الفضاء الرقمي لم يعد ساحة مجردة من القانون، بل أصبح خاضعاً لمنظومة جنائية مصرية حازمة لا تتهاون مع أي اعتداء يمس كرامة الأفراد، أو حرمة حياتهم الخاصة، أو أمنهم المالي. إن الوعي التشريعي يمثل خط الدفاع الأول لكل مواطن؛ حيث إن الخوف أو الصمت أمام المحاولات الابتزازية يمنح المجرمين فرصة للاستمرار والتمدد، بينما يضمن التحرك القانوني الفوري السريع ردع الجناة واستعادة الحقوق المسلوبة.
تذكر دائماً أن القانون المصري يقف إلى جانب الضحية، وأن أجهزة الدولة ممثلة في وزارة الداخلية والنيابة العامة والمحاكم الاقتصادية تمتلك أدوات فنية وتقنية فائقة التطور قادرة على كشف هوية مرتكبي الجرائم الإلكترونية حتى وإن استخدموا حسابات وهمية أو شبكات مشفرة. لا تتردد في الإبلاغ وحماية حقك الرقمي وحرمة حياتك الشخصية عبر المسارات القانونية الرسمية.
الأسئلة الشائعة حول الجرائم الإلكترونية والابتزاز في مصر
❓ ماذا أفعل إذا كان الشخص الذي يبتزني يقيم خارج مصر؟
يجوز لك الإبلاغ عنه رسمياً بمباحث الإنترنت بمصر، حيث يتعاون قطاع الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول المصري) التابع لوزارة الداخلية المصرية مع الدول الأجنبية، ويتم إصدار نشرات حمراء للملاحقة القضائية وتسليم المجرمين، فضلاً عن إمكانية محاكمته غيابياً أمام المحاكم الاقتصادية المصرية طبقاً لقواعد الاختصاص الدولي الواردة بالقانون رقم 175 لسنة 2018.
❓ هل يُعد "لقطة الشاشة" (Screenshot) دليلاً كافياً وحده في المحكمة؟
لا تُعد لقطة الشاشة دليلاً قاطعاً بمفردها أمام القضاء لاحتمالية الفبركة والتعديل، لكنها تعتبر "قرينة ابتدائية" تبدأ بناءً عليها إجراءات التحقيق. يتم تأكيد الجريمة وإسباغ الحجية القانونية عليها من خلال فحص الهاتف أو الحساب بواسطة الفحص الفني بوزارة الداخلية لاستخراج التقرير الرقمي المعتمد والسجلات الإلكترونية (Log Files).
❓ هل يمكنني الإبلاغ عن جريمة الابتزاز دون معرفة هوية الفاعل الحقيقية؟
نعم، يمكنك تقديم البلاغ ضد "مجهول" مع تزويد مباحث الإنترنت برابط الحساب (URL) أو رقم الهاتف أو المعرف المستخدم. تتولى المساعدات الفنية تتبع الرقم التعريفي للشبكة (IP Address) وتحديد الموقع الجغرافي للجهاز ونوع الشريحة ومستخرج البيانات لإعادة قيد المحضر ضد الجاني باسمه الثلاثي وحصره بالاتهام.
❓ ما هي المهلة القانونية المحددة لتقديم بلاغ عن جريمة سب وقذف أو ابتزاز؟
إذا كانت الجريمة تقتصر على السب والقذف والتعدي على الحرمة الخاصة بدون مقترن بطلب مال أو جناية ابتزاز، فتطبق المادة (3) إجراءات جنائية وتنتهي مهلة الشكوى بمرور 3 أشهر من تاريخ علم المجني عليه بالجريمة. أما إذا اقترن التهديد بطلب مالي أو إكراه على فعل (وهي جناية ابتزاز)، فلا تسقط الجريمة إلا بمرور 10 سنوات وفقاً للقواعد العامة للمدة المسقطة للدعوى الجنائية.