يشهد العالم المعاصر تطوراً متسارعاً في أساليب الجريمة المنظمة، وتُعد جرائم تمويل الإرهاب ودعم الكيانات المصنفة إرهابياً من أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي للدول. وفي قلب المنظومة التشريعية المصرية لمكافحة هذه الآفة، يبرز قانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين الصادر برقم 8 لسنة 2015 وتعديلاته اللاحقة، ليكوّن سدّاً منيعاً وحصناً قانونياً يواجه شريان الحياة للمنظمات الإرهابية وهو "المال". يهدف هذا المقال إلى تفصيل المسؤولية الجنائية والدولية المترتبة على تمويل أو دعم هذه الكيانات، مستنداً إلى صحيح القانون المصري والمعايير الدولية ذات الصلة.
مقدمة في مفهوم الإرهاب المالي وتطور التشريعات المصرية
لم يعد الإرهاب قاصراً على العمليات المسلحة فحسب، بل تحول إلى شبكات اقتصادية معقدة تعتمد على غسل الأموال، والتحويلات غير الرسمية، والتبرعات الوهمية، والاستثمارات الواجهة. ووعياً من المشرع المصري بخطورة هذا المد، صدر قانون الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015 ليضع إطاراً قانونياً مؤسسياً يحدد ماهية الكيانات الإرهابية، وكيفية إدراجها، والآثار المترتبة على ذلك.
وتكامل هذا البنيان التشريعي مع قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، الذي وضع تعريفات دقيقة لجرائم تمويل الإرهاب، وحدد عقوبات رادعة لكل من يسهم في تقديم أموال أو أسلحة أو حتى معلومات لوجستية للكيانات الإرهابية. كما تلعب وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المنشأة طبقاً لـ قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 دوراً محورياً في الرقابة المالية.
قاعدة ذهبية: الدعم لا يقتصر على الأموال النقدية فحسب، بل يمتد ليشمل توفير المأوى، أو وسائل النقل، أو تقديم الدعم المعنوي واللوجستي، أو تسهيل التواصل، وكلها أفعال تجرّمها القوانين المصرية بقوة.
تتمثل الفلسفة العقابية في قطع الإمدادات المالية بالكامل، حيث نصت القوانين المصرية على عقوبات تصل إلى السجن المؤبد ومصادرة كافة الأموال والأصول المتحصلة من الجريمة أو المستخدمة فيها، بغض النظر عن ملكيتها الظاهرة إذا ثبت ارتباطها بالنشاط الإرهابي.
الاطار القانوني للكيانات الإرهابية وتمويلها في التشريع المصري
يستند النظام القانوني المصري في مكافحة الإرهاب المالي إلى ترسانة تشريعية متكاملة تتناغم فيها النصوص الدستورية مع القوانين الجنائية والإدارية. ويتصدر هذه المنظومة قانون رقم 8 لسنة 2015 وتعديلاته بموجب القانون رقم 11 لسنة 2020، والذي منح محكمة الجنايات صلاحيات واسعة لإصدار قرارات الإدراج على قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين بناءً على طلب النيابة العامة.
ويُعرّف القانون "الكيان الإرهابي" بأنه أي جمعية أو جماعة أو منظمة أو عصابة أو إي كيبان آخر -سواء كان مقبوضاً عليه أو غير مقبوض عليه، وسواء كان داخل مصر أو خارجها- يرتكب أو يسعى لارتكاب أفعال إرهابية، أو يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة كانت إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين، أو منع مؤسسات الدولة أو السلطات العامة من ممارسة أعمالها.
أما جريمة "التمويل" فقد حددها المشرع في المادة (2) من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 بشكل واسع يشمل:
- جمع أو تلقي أو حيازة أو توفير أموال أو أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات أو مهمات أو آلات أو بيانات أو معلومات أو غير ذلك، بقصد استخدامها كلها أو بعضها في ارتكاب جريمة إرهابية.
- إمداد جماعة إرهابية أو شخص إرهابي بشيء مما سلف، أو إعانته على الفرار، أو التستر على الجريمة أو أدواتها.
- إدارة وقائع أو تسهيل عمليات لجمع الأموال لصالح الكيان الإرهابي.
وعملياً، إذا قامت إحدى الجمعيات الخيرية مثلاً -تحت ستار العمل الإنساني- بتحويل أموال إلى جهة ثبت ارتباطها بكيان مدرج على قائمة الإرهاب، فإن القائمين على إدارتها يُساءلون جنائياً بتهمة تمويل الإرهاب وفقاً للمادة المذكورة، بغض النظر عن النوا المعلنة لتلك الجمعية.
أركان الجريمة والمسؤولية الجنائية للممول والداعم
لكي تقام المسؤولية الجنائية على الشخص المتهم بتمويل أو دعم كيان إرهابي، يجب أن تتوفر أركان الجريمة الجنائية المعروفة، وهي: الركن المادي (الفعلي) والركن المعنوي (القصد الجنائي). وفي سياق جرائم الإرهاب، حرص القضاء المصري على تفصيل هذه الأركان بدقة:
- الركن المادي: ويتحقق بأي سلوك إيجابي أو سلبي يشكل دعماً مالياً أو مادياً للكيان الإرهابي، كإجراء تحويل مصرفي، تسليم مبالغ نقدية باليد، توفير مقر لاجتماعات العناصر الإرهابية، أو حتى تقديم استشارات فنية أو تقنية تسهل عمل الكيان.
- الركن المعنوي (العلم والإرادة): ويتمثل في علم الجريمة بأن الجهة أو الشخص المستفيد هو كيان مصنف إرهابياً، ومع ذلك تتجه إرادته عن وعي وإدراك إلى تقديم الدعم له.
العلم المفترض: في حال صدور قرار نهائي بإدراج كيان على القوائم الرسمية ونشرة بالجريدة الرسمية، يُفترض قانوناً علم كافة المواطنين والجهات بهذا الإدراج، ولا يُقبل من المتهم الاعتذار بجهله بالقانون أو بصفة الكيان.
وفي هذا السياق، تطبق محاكم الجنايات المصرية عقوبات صارمة. فوفقاً لـ المادة (37) من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، يُعاقب بالسجن المؤبد كل من تمويل جماعة إرهابية أو شخص إرهابي، وتكون العقوبة الإعدام إذا كانت الجريمة قد وقعت بالفعل نتيجة هذا التمويل. كما تشمل المسؤولية الشخص الطبيعي والاعتباري (كالشركات والشركات الوهمية)، حيث تُحكم بحل الشخص الاعتباري ومصادرة أمواله.
مثال واقعي: إذا قام مدير مالي لشركة تجارية بتحويل مبلغ مالي من حساب الشركة إلى حساب شخصي مُدرج على قائمة الإرهابيين، وعُثر على مراسلات تثبت علمه بهذا الإدراج، فإن المدير يُحاكم جنائياً بتهمة تمويل الإرهاب، وتتحمل الشركة المسؤولية المدنية والمالية وتتعرض لمخاطر التصفية والمصادرة لصالح خزانة الدولة.
الآثار المترتبة على الإدراج والتدابير التحفظية
يترتب على صدور قرار إدراج كيان أو شخص على قوائم الإرهاب آثار قانونية ومالية فورية وصارمة، نصت عليها المادة (7) من قانون الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015 وتعديلاته. تهدف هذه التدابير إلى تجفيف منابع تمويل الإرهاب بشكل كامل، ومن أبرز هذه الآثار:
- التحفظ المؤقت على الأموال والممتلكات العقارية والمنقولة والسائلة المملوكة للكيان أو الشخص المدرج، سواء كانت بأسماء صريحة أو مستعارة.
- منع الشخص المدرج من ممارسة أي نشاطه الأهلي أو الخيري أو الجمعياتي.
- وقف عضويته في النقابات المهنية والاتحادات والشركات والجمعيات والمؤسسات وأي كيان تساهم فيه الدولة أو المواطنون.
- حظر تولي الوظائف العامة أو المناصب القيادية أو الإشرافية في المؤسسات الحكومية.
- سحب جواز السفر أو إلغاؤه، والمنع من السفر، وترقب الوصول لكل من يدرج على القوائم.
حق التظلم: كفل القانون للمتضررين من قرارات الإدراج حق الطعن عليها أمام محكمة النقض خلال ستين روزاً من تاريخ نشر القرار، وفقاً لآليات إجرائية محددة تضمن حق الدفاع.
على الصعيد العملي، تصدر النيابة العامة تعميمات فورية لكافة البنوك العاملة في جمهورية مصر العربية والبالغ عددها عشرات البنوك تحت إشراف البنك المركزي المصري، لتجميد أي حسابات بنكية تتعلق بالأسماء أو الكيانات الواردة في قرارات الإدراج، مع إخطار وحدة مكافحة غسل الأموال لإجراء التحقيقات المالية اللازمة.
مثال تطبيقي: إذا كان شخص مُدرجاً على قائمة الإرهاب يمتلك عقاراً ومحلاً تجارياً، فإن قرار الإدراج يوجب تشكيل لجنة تفتيش وإدارة أموال التحفظ للسيطرة على المحل والعقار، وتحويل إيراداتهما إلى حساب خاص بالنيابة العامة لحين الفصل النهائي في القضايا المتعلقة به، مع حرمان المالك من التصرف فيها بأي شكل من الأشكال.
المسؤولية الدولية والتعاون العابر للحدود في مكافحة تمويل الإرهاب
لا تتوقف المسؤولية عند الحدود الإقليمية للدولة، بل تمتد لتكتسب أبعاداً دولية واسعة النطاق. وتلتزم جمهورية مصر العربية بكافة الاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب، وفي مقدمتها اتفاقيات الأمم المتحدة ذات الصلة وقرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة تحت الفصل السابع، وخاصة القرار الشهير رقم 1373 لسنة 2001 الذي يفرض على الدول الأعضاء تجميد أموال وممتلكات الإرهابيين والكيانات التابعة لهم دون تأخير.
وفي هذا السياق، تتعاون مصر بشكل وثيق مع آليات العمل المالي الدولي، وأبرزها مجموعة العمل المالي (FATF) والمعايير العالمية التي تضعها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. تلتزم البنوك والمؤسسات المالية المصرية بتطبيق نظام "اعرف عميلك" (KYC) بفحص دقيق ومستمر للعملاء والمعاملات الدولية للرصد المبكر لأي تدفقات مالية مشبوهة.
- التبادل الإخباري والاستخباراتي: يتم عبر وحدة مكافحة غسل الأموال المصرية (EMLCU) ووحدات الاستخبارات المالية النظيرة في الدول الأخرى عبر شبكة "إيجمونت" (Egmont Group).
- تنفيذ قوائم مجلس الأمن الموحدة: تلتزم الدولة المصرية بإدراج الأفراد والكيانات الصادر بحقهم قرارات من لجان العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي مباشرة في القوائم الوطنية وتطبيق إجراءات التجميد عليها.
- تسليم المجرمين والمساعدة القضائية المتبادلة: يستند التعاون الدولي إلى الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف لضمان عدم الإفلات من العقاب للممولين الهاربين خارج البلاد.
الملاحقة عابرة الحدود: إذا قام مصري أو أجنبي مقيم خارج مصر بتمويل كيان إرهابي يستهدف الأمن القومي المصري، فإن القانون المصري (طبقاً لمبدأ العينية ومبدأ الاختصاص العالمي في جرائم الإرهاب) يمنح القضاء المصري ولاية محاكمته غيابياً أو استجلابه عبر الإنتربول الدولي.
مثال واقعي: رصدت الأجهزة المعنية تحولات مالية رقمية عبر العملات المشفرة قادمة من شبكة دولية وموجهة لدعم عناصر متطرفة داخل مصر. وبفضل قنوات التعاون الدولي والاتفاقيات الأمنية، تكاتفت الجهود بين وحدة مكافحة غسل الأموال المصرية والسلطات الأمنية الأوروبية لتتبع تلك المحافظ الرقمية وتجميدها، ومقاضاة المتورطين دولياً ומحلياً.
نصائح عملية وإجراءات وقائية للأفراد والمؤسسات
في ظل التشديدات القانونية الرقابية الصارمة، بات لزاماً على الأفراد والشركات والكيانات الاقتصادية والجمعيات الأهلية اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر لتجنب الوقوع في فخ "دعم أو تمويل الإرهاب" عن غير قصد أو نتيجة إهمال جسيم. وفيما يلي حزمة من النصائح والإجراءات العملية الموصى بها:
- التحقق المستمر من القوائم الرسمية: يجب على مسؤولي الالتزام في الشركات والبنوك والجمعيات الاطلاع الدائم على الجريدة الرسمية وما تنشره من قرارات إدراج الكيانات والإرهابيين وفقاً لقانون رقم 8 لسنة 2015.
- الحوكمة الصارمة للتبرعات: يُحظر على الجمعيات والمؤسسات الأهلية تلقي تبرعات نقدية مجهولة المصدر، ويجب توثيق كافة التبرعات بشيكات أو تحويلات مصرفية موثقة مع ضرورة فحص هوية المتبرع والمستفيد النهائي.
- تفعيل إدارات الالتزام (Compliance): يجب على كافة الكيانات التجارية والمالية إنشاء وحدات داخلية للالتزام بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومراجعة كافة المعاملات المالية المشبوهة.
- الحذر في استخدام شبكات الحوالة غير الرسمية: الابتعاد نهائياً عن قنوات التحويل غير المرخصة أو الطرق غير القانونية لتحويل الأموال (مثل شبكات الحوالة المستترة)، والاعتماد حصراً على البنوك والشركات المرخصة من البنك المركزي المصري.
خط الدفاع الأول: الالتزام بالشفافية والتعاون الفوري مع الجهات الرقابية عند الاشتباه في أي معاملة مالية يعتبر الحصن الأمني الأول للشركات لحماية نفسها من التورط غير المقصود والمساءلة الجنائية.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
❓ ما هو الموقف القانوني لمن قام بتحويل أموال لكيان إرهابي دون علمه بنشاطه الإرهابي؟
العبرة في القانون الجنائي هي بتوافر القصد الجنائي (العلم والإرادة). إذا ثبت يقيناً وبأدلة قاطعة أن الشخص كان يجهل تماماً طبيعة الكيان ولم يكن هناك قرائن تشير إلى علمه، فإنه ينفى عنه القصد الجنائي العمدي. ومع ذلك، قد يُسأل عن جريمة أخرى إذا ثبت إهماله الجسيم في التحقق من مصدر ووجهة الأموال، وتقرر المحكمة العقوبة بحسب ظروف كل دعوى.
❓ هل تتأثر أموال أفراد عائلة الشخص المُدرج على قوائم الإرهاب بالقرار؟
نص القانون على أن التحفظ يشمل الأموال المملوكة للشخص المدرج وحده. أما إذا كانت الأموال مملوكة على الشيوع (كميراث مشترك أو شراكة تجارية)، فإن التحفظ يقتصر حصراً على حصة الشخص المدرج فقط دون باقي أفراد الأسرة، بشرط إثبات استقلال ذممهم المالية وألا تكون أموالهم ناتجة عن تستر أو هبات مشبوهة من الشخص المدرج.
❓ كيف يمكن الطعن على قرار إدراج شخص أو كيان على قوائم الإرهاب في مصر؟
يتم الطعن على قرارات الإدراج من خلال تقديم طعن أمام محكمة النقض خلال ستين يوماً من تاريخ نشر قرار الإدراج في الجريدة الرسمية. ويقوم محامٍ متخصص بصياغة مذكرة الطعن متضمنة الأسباب القانونية والواقعية التي تدحض مبررات الإدراج وتطالب بإلغائه، وتفصل محكمة النقض في الطعن وفقاً للقواعد الإجرائية المقررة.
❓ ما هي العقوبة المقررة قانوناً لجريمة تمويل الإرهاب في مصر؟
حدد قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 عقوبة السجن المؤبد لكل من يمول كياناً أو شخصاً إرهابياً، وترتقي العقوبة لتصبح الإعدام إذا كانت الجريمة قد أدت بالفعل إلى وقوع عمل إرهابي أو نتج عنها خسائر في الأرواح، بالإضافة إلى وجوب مصادرة كافة الأموال والأصول والممتلكات المرتبطة بالجريمة.
خاتمة
في الختام، تُظهر التشريعات المصرية المعنية بمكافحة تمويل الكيانات الإرهابية -وعلى رأسها قانون الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015 وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015- حزماً تشريعياً لا يلين في مواجهة أي محاولة لزعزعة استقرار الوطن عبر تجفيف ينابيع المال الإرهابي. إن المسؤولية الجنائية والدولية مترتبة بشكل قاطع وحاسم على كل من يتورط في دعم أو تمويل هذه الكيانات، سواء تعمد ذلك أو قصر إهمالاً جسيماً. ومن هنا تأتي أهمية الوعي القانوني والالتزام التام بالقواعد المصرفية والمالية الرسمية، ليبقى الاقتصاد المصري آمناً، وتظل الدولة قادرة على حماية أمنها القومي بكفاءة واقتدار.