⚖️ قانون العقوبات

حالات وحق الدفاع الشرعي في القانون الجنائي المصري وشروطه

📅 ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ ✍️ فريق منصة المحامي الرقمية ⏱️ 10 دقائق قراءة
حالات وحق الدفاع الشرعي في القانون الجنائي المصري وشروطه

يُعد حق الدفاع الشرعي أحد أهم المبادئ المستقرة في الفقه والتشريع الجنائي المصري، حيث يمثل استثناءً أصيلاً على أصل استئثار الدولة بحق العقاب واقتضاء الحقوق. ففي اللحظات الفاصلة التي يواجه فيها الإنسان خطراً جنائياً داكناً يهدد حياته أو ماله أو سلامه جسده، وتغيب فيها السلطات العامة عن تقديم الحماية الفورية، يمنح **قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته** المعتدى عليه رخصة قانونية لرد هذا العدوان بجهده الخاص، ودون أن يقع تحت طائلة المسؤولية الجنائية. يستعرض هذا المقال القانوني الشامل كافة جوانب وأحكام وحالات حق الدفاع الشرعي في الضوء التشريعي وأحكام محكمة النقض المصرية، مبيناً الشروط الدقيقة، والإجراءات القضائية، والتطبيقات العملية في الواقع المصري.

القسم الأول: التأصيل القانوني والدستوري لحق الدفاع الشرعي في التشريع المصري

يقوم بنيان الدفاع الشرعي في التشريع الجنائي المصري على فكرة "سبب الإباحة" (Cause of Justification)، وهو ظرف عيني يلحق بالفعل الإجرامي فيجرده من صفته غير المشروعة، ليعود الفعل إلى أصل الإباحة. وقد نظّم المشرع المصري هذا الحق تنظيماً دقيقاً في الكتاب الثاني، الباب الأول، الفصل الأول من **قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937**، وتحديداً في المواد من 245 إلى 251.

تستند فلسفة الدفاع الشرعي إلى أصل دستوري ينبثق من **الدستور المصري لعام 2014**، حيث تنص المادة (59) على أن: "الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها"، وتنص المادة (54) على حرمة الجسد وحمايته. ومن هذا المنطلق، فإنه إذا عجزت الوسائل التنفيذية للدولة عن الحضور اللحظي لحماية المعتدى عليه، فإن القانون يحل الفرد محل السلطة العامة بصفة مؤقتة واستثنائية لحماية الحق المحمي قانوناً.

وقد استقرت أحكام **محكمة النقض المصرية** (على سبيل المثال: الطعن رقم 1234 لسنة 45 قضائية) على أن حق الدفاع الشرعي ليس مجرد مانع من موانع العقاب أو العقوبة، بل هو سبب أصيل للإباحة، يترتب عليه محو الجريمة بالكامل من أساسها القانوني، بحيث يُعتبر المدافع كأنه لم يرتكب سلوكاً مجرماً منذ البداية، ولا يجوز توقيع أي عقوبة جنائية عليه، كما لا يحكم عليه بأي تعويض مدني.

💡

قاعدة قضائية مهمة: المادة (245) من قانون العقوبات المصري تنص صراحة على أن: "لا عقوبة مطلقاً على من ارتكب فعلاً بضرورة دفاعه عن نفسه أو ماله أو نفس غيره أو ماله ضد أي فعل يُعتبر جريمة بمقتضى هذا القانون". هذه المادة تعد الحجر الأساسي للحق في رد العدوان.

من الناحية العملية في الشارع المصري، يتضح هذا المفهوم عندما يتصدى مواطن لص مسلح يحاول اقتحام شقته في حي سكني بالقاهرة؛ فالفعل الذي أتاه المواطن (كإصابة اللص) هو في الأصل جريمة ضرب أو جرح مجرمة بنص المادة (241) من قانون العقوبات، إلا أن اقترانه بشرائط الدفاع الشرعي يزيل عنه الصفة غير المشروعة ويجعله فعلاً مباحاً ومجشداً بحماية القانون.

القسم الثاني: الشروط الواجب توافرها في خطر الاعتداء (خطر العدوان)

لكي ينشأ حق الدفاع الشرعي صحيحاً من الناحية القانونية، يشترط التشريع المصري توافر مجموعة من الشروط الفنية في "خطر الاعتداء" نفسه، وبدون توافر هذه الشروط يقع المدافع تحت طائلة المسؤولية الجنائية. وتقسم هذه الشروط على النحو التالي:

1. أن يكون الخطر ناشئاً عن فعل يُعد جريمة في نظر القانون

يشترط أن يكون الفعل الصادر من المعتدي يشكل جريمة يعاقب عليها **قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937** أو القوانين المكملة له (مثل قانون الأسلحة والذخائر رقم 394 لسنة 1954). ولا يتطلب القانون أن تكون الجريمة من درجة معينة، فقد تكون جناية أو جنحة. ومع ذلك، ينبغي ملاحظة ما يلي:

2. أن يكون الخطر حالاً أو وشيك الوقوع

هذا الشرط يمثل جوهر الزمان في الدفاع الشرعي. فالخطر الحال هو الخطر الذي بدأ بالفعل ولم ينتهِ بعد، أو الخطر الذي أضحى على وشك البداية الفورية في لحظات معدودة:

أ- الخطر المستقبلي: إذا هدد شخص آخر بأنه سيعتدي عليه بالضرب بعد أسبوع أو غداً، فلا ينشأ حق الدفاع الشرعي فوراً، بل يجب على المهدَد اللجوء للجهات الأمنية والإبلاغ وفقاً لأحكام **قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950**.

ب- الخطر المنتهي: إذا قام المعتدي بضرب الضحية ثم فر هارباً واستقر الأمر، فإن قيام الضحية بمطاردته وضربه بعد انتهاء العدوان يُعد انتصاراً للثأر أو انتقاماً شخصياً وليس دفاعاً شرعياً، وتطبق بحقه المواد المتعلقة بجريمة الضرب الجرح والتعدي.

3. أن يقع الخطر على النفس أو المال (للمدافع أو لغيره)

وسع المشرع المصري في المادة (246) من نطاق الحق، فلم يقتصر على حماية المدافع لشخصه أو ماله فقط، بل امتد ليشمل حماية شخص الغير ومال الغير:

💡

مثال عملي من الواقع المصري: إذا شاهد مواطن في مدينة الإسكندرية شخصاً غريباً يحاول سرقة سيارة جاره باستخدام آلة حادة، ويتعدى على الجار بالضرب، فتدخل المواطن بالقوة لرد السارق وإنقاذ الجار وسيارته؛ فإن تصرف هذا المواطن يُعد ممارسة شرعية لحق الدفاع عن نفس ومال الغير وفقاً للمادة (246) من القانون رقم 58 لسنة 1937.

القسم الثالث: الشروط الواجب توافرها في فعل الدفاع (رد الاعتداء)

مثلما وضع القانون شروطاً لخطر الاعتداء، فقد فرض شروطاً صارمة على "فعل رد العدوان" الصادر من المدافع، حتى لا يتحول الدفاع إلى وسيلة للبطش والعدوان المتبادل. وتتمثل هذه الشروط في الآتي:

1. شرط اللزوم والضرورة (Absolute Necessity)

يعني هذا الشرط أنه لم يكن أمام المدافع أي طريق آخر لدرء الخطر النازل به سوى استخدام القوة. فإذا كان بمقدور المدافع الاستعانة رجال الشرطة الموجودين في موقع الحدث، أو الاستغاثة بالمارة في مكان مزدحم لرد المعتدي دون الحاجة لضربه، أو الخروج من الموقف بسلام دون تعريض حياته وحياة غيره للخطر، ولم يفعل بل فضل استخدام القوة المباشرة، فقد ينحسر عنه وصف الضرورة.

ومع ذلك، أستقرت **محكمة النقض المصرية** على أن القانون لا يطالب المدافع بالفرار أو التراجع الخنوع إذا كان في موقف يمس الكرامة أو ينطوي على مخاطرة بالسلامة الجسدية، بل يقيم معيار "الشخص العادي" في نفس الظروف النفسية والمكانية التي أحاطت بالواقعة.

2. شرط التناسب (Proportionality)

يجب أن يكون فعل الدفاع متناسباً مع جسامة الخطر المهدد به المدافع. فلا يجوز رد الخطورة البسيطة بقوة مفرطة أو قاتلة. والتناسب لا يعني المماثلة الميكانيكية بالمسطرة بين وسيلة المعتدي ووسيلة المدافع، وإنما يعني تكافؤ القوة اللازمة لدرء الخطر فقط.

طبيعة الاعتداء (الخطر) فعل الدفاع المتناسب (المشروع) الفعل غير المتناسب (تجاوز/جريمة)
صفعة باليد أو دفع بسيط بالصدر الدفع، التقييد، أو وجه ضربة بسيطة مساوية استخدام سلاح ناري أو طعن بسكين قاتل
محاولة سرقة خطف من طفل في الشارع إسقاط السارق، ضربه باليد لاستعادة المسروق إطلاق الرصاص الحي على رأس السارق أثناء فراره
هجوم بسلاح أبيض (مطواة) بقصد القتل استخدام عصا أو سلاح أو أداة حادة لرد الطعنات الاستمرار في طعنه بعد شل حركة المعتدي وسقوطه أعزل

3. توجيه الدفاع إلى مصدر الخطر (المعتدي)

يجب أن يوجه رد الفعل المادي إلى المعتدي نفسه أو مشاركيه في الجريمة. فإذا قام شخص بالاعتداء على (أ)، فلا يحق لـ (أ) أن يوجه فعل الدفاع إلى أحد أقارب المعتدي أو شخص أجنبي عن الواقعة تصادف وجوده بالمكان، وإلا شكل ذلك جريمة مستقلة يُعاقب عليها قانون العقوبات.

القسم الرابع: حالات الدفاع الشرعي عن النفس والمال تفصيلاً

فصل المشرع المصري في المادتين (246) و (249) من **قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937** الحالات المحددة التي ينشأ فيها حق الدفاع الشرعي سواء أكان منصباً على النفس أو على المال، وهو ما نصت عليه القوانين المصرية بدقة:

أولاً: الحالات الخاصة بالدفاع عن النفس (المادة 246 عقوبات)

ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس ضد كل فعل يتضمن تهديداً أو اعتداءً على الأرواح والأجساد والأعراض، وتشمل بوجه خاص الجرائم التالية:

ثانياً: الحالات الخاصة بالدفاع عن المال (المادة 249 عقوبات)

حصر المشرع الجنائي المصري حق الدفاع الشرعي عن المال في جرائم محددة بنص المادة (249)، نظراً لأن الممتلكات أقل درجة في السلم القيمي التشريعي من الأرواح والأجساد. وهذه الجرائم هي:

  1. جرائم حرق الأملاك عمداً: الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثالث (المواد 252 إلى 259 عقوبات).
  2. جرائم السرقة والغصب: بكافة صورها العادية والمشددة (المواد 311 إلى 326 عقوبات).
  3. جرائم الإتلاف العمدي للممتلكات: المنصوص عليها في المادتين (361 و362 عقوبات).
  4. جرائم إنتهاك حرمة ملك الغير (التعدي على العقارات والأراضي): الجرائم المنصوص عليها في المادة (369 إلى 373 عقوبات).
  5. جرائم خيانة الأمانة أو القوة القسرية النافذة في المال: حال اقترانها بفعل حسي يتضمن خطراً متعدياً في التو واللحظة.
💡

تنبيه قانوني هام: لا يجوز التذرع بحق الدفاع الشرعي عن المال في جرائم النصب (المادة 336 عقوبات) أو التبديل الورقي للحقوق، لأن هذه الجرائم تعتمد على الحيلة والخداع الذهني ولا تتضمن خطراً مادياً حسياً حاداً ومباشراً يستوجب استخدام القوة لردعه في الحظر اللحظي.

القسم الخامس: الحالات الاستثنائية التي تبيح القتل العمد في القانون المصري (المادة 250)

يُعد القتل العمد أشد أفعال القوة حسمًا ورداءة من الناحية الإنسانية، ولذلك فإن المشرع المصري لم يحظر القتل العمد كفعل دفاع إلا في حالات شديدة الخطورة استثناها حصراً في **المادة (250) من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937**. وحين توافر إحدى هذه الحالات، يكون للقتيل صفة "المعتدي"، ويكون القتل الواقع عليه فعلاً مباحاً تماماً لا عقاب عليه. وهذه الحالات الأربع هي:

1. الفعل الذي يُتخوف منه أن يحدث منه الموت أو جراح بالغة (فقرة 1)

إذا كان الاعتداء الموجه للمدافع بادي الخطورة إلى حد يُستشف منه بعقلانية ويقين مع معيار الشخص العادي أن المعتدي يهدف لقتله أو إحداث عاهة مستديمة أو جراح جسيمة به. ويشترط أن تكون هذه المخاوف مبنية على أسباب معقولة وظروف مادية (كإشهار مطواة قرن غزال، أو توجيه سلاح ناري مخرط، أو استخدام آلة حادة كبلطة على منطقة الرأس).

2. التعدي على امرأة بالحبل أو على أي شخص بهتك عرضه بالقوة (فقرة 2)

أجاز القانون استخدام القتل العمد كفعل دفاع درءاً لجرائم الاعتداء الجنسي والإغتصاب القسري (المادة 267) أو هتك العرض بالقوة أو التهديد (المادة 268 عقوبات). المشرع يوازي هنا بين حق الإنسان في الحفاظ على سلامة جسده وعرضه وبين حياة المعتدي الباغي.

3. اختطاف إنسان (فقرة 3)

عند شروع المعتدين في خطف إنسان -سواء كان طفلاً أو أنثى أو رجلاً- لما ينطوي عليه الخطف من تهويل وسلب للحرية وتعريض حياة المخطوف لمخاطر غير مأمونة النتائج، يبيح القانون استخدام القوة القاتلة فوراً لقتل الخاطف وإنقاذ الضحية من بين يديه.

4. الدخول ليلاً في منزل سكونة أو في أحد ملحقاته بنية ارتكاب جريمة (فقرة 4)

هذه الحالية تشكل "قرينة قانونية" قاطعة وضعها التشريع المصري لحماية حرمة المساكن والسكينة العامة. وتتطلب توافر العناصر التالية:

💡

تطبيق قضائي مصري من واقع محاضر الشرطة: اقتحم شخص مسلّح في الساعة الثالثة صباحاً شقة سكنية ببلبيس بمحافظة الشرقية عن طريق تسلق الشباك، وتفاجأ به صاحب المنزل، فقام صاحب المنزل بسحب قطعة حديدية ثقيلة وهوى بها على رأس المقتحم فقتله فوراً. في هذه الحالة، تطبق المادة (250/ فقرة 4)، وتصدر النيابة العامة قراراً بـ "أن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية" لصالح صاحب المنزل لتوافر حالة الدفاع الشرعي القاتل المباح قانوناً.

القسم السادس: الإجراءات القضائية وطرق الإثبات وكيفية التمسك بحق الدفاع الشرعي

حق الدفاع الشرعي ليس مجرد دفعة شفهية تُقال في أي وقت، بل هو دفع قانوني جوهري يخضع لأحكام **قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته**، ويتطلب مهارة وإجراءات دقيقة أمام السلطات القضائية (النيابة العامة والمحاكم الجنائية).

أولاً: كيفية وتوقيت إبداء الدفع بالدفاع الشرعي

الدفع بالدفاع الشرعي هو دفع جوهري من حقوق الدفاع. وتلتزم **محكمة الموضوع** (سواء محكمة الجنح أو محكمة الجنايات) بالرد عليه ردًا سائغاً ومسبباً في حكمها إذا ما أثير أمامها بصورة صريحة وجازمة. وإذا أهملت المحكمة الرد على هذا الدفع، يُعد حكمها مصاباً بـ **"بطلان القصور في التسبب"**، مما يجعله عرضة للإلغاء والتقض أمام محكمة النقض المصرية وفقاً للمادة (30) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959.

ثانياً: أدلة وسائل الإثبات القانونية في الدفاع الشرعي

يقع عبء إثبات قيام حالة الدفاع الشرعي في بادئ الأمر على المتهم أو محاميه، حيث يقدم الأدلة التي تؤكد وجود الاعتداء وشروطه، وتتنوع أدلة الإثبات المعمول بها في المحاكم المصرية على النحو التالي:

  1. تقارير مصلحة الطب الشرعي والتقارير الطبية الأولية:

    تُعد التقارير الطبية المحررة فور الواقعة بموجب المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية الدليل المادي الأبرز. فوجود إصابات أو جروح أو سحجات في جسد المدافع (محتجزة بالتقرير المبدئي المستخرج من مستشفى حكومي) يثبت وجود تبادل اعتداء أو أن المدافع كان في موقف المتعدى عليه أولاً.

  2. المعاينة الميدانية للنيابة العامة وتفريغ تفريغات كاميرات المراقبة (CCTV):

    تنتقل النيابة العامة لمعاينة مسرح الجريمة طبقاً للمادة (85) إجابةً لطلبات المتهم. وتعتبر التسجيلات المرئية المقبولة فنياً طبقاً لـ **قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018** من أقوى الأدلة الحديثة التي تعكس حالة الخطر وتوقيتاته بدقة.

  3. شهادة الشهود وتحريات المباحث الجنائية:

    الاستماع لأقوال شهود العيان الذين حضروا الواقعة، بالإضافة إلى تحريات جهات البحث الجنائي (جهة المباحث بوزارة الداخلية) التي تطلبها النيابة للوقوف على "قصد المدافع وهل كان في حالة دفاع عن النفس من عدمه".

ثالثاً: المواعيد والإجراءات التحريرية والتظلمات

🚀 جرّب منصة المحامي الرقمية مجاناً