تصدر ملف «التصالح في مخالفات البناء» اهتمامات الشارع المصري والمجتمع القانوني، بالتزامن مع تفعيل التيسيرات الجديدة الممنوحة للمواطنين لتقنين أوضاع المباني المخالفة. يمثل هذا الملف أهمية بالغ الأهمية للمواطن والمحامي للتعرف على الآليات الإجرائية والمستندات المطلوبة، والاستفادة من المهلة المحددة لحماية الملكية العقارية وتجنب قرارات الإزالة والعقوبات القانونية.
يشهد الشارع المصري والمحيط القانوني تحولاً مفصلياً في إدارة ملف التخطيط العمراني، حيث ألقى صدور القانون رقم 187 لسنة 2023 بظلاله الهيكلية على الواقع العقاري والإجرائي، معالجاً الثغرات العملية التي شابت التطبيق السابق للقانون رقم 17 لسنة 2019 وتعديلاته. يأتي هذا التحرك التشريعي في إطار استراتيجية شمولية تهدف إلى إعادة تنظيم الثروة العقارية الوطنية، وحصر المخالفات العمرانية ضمن نطاق زمني وضوابط فنية محددة، مما يضمن صيانة الحقوق الملكية الخاصة والعمومية في آن واحد، ويرسخ دولة القانون وتطبيق قواعد التنظيم البنائي.
إن صدور اللائحة التنفيذية بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1121 لسنة 2024 قد أطلق شارة البدء الفعلية لتفعيل التيسيرات القانونية، حيث فتحت المراكز التكنولوجية بجميع المحافظات أبوابها لاستقبال طلبات المواطنين الراغبين في تقنين أوضاع عقاراتهم. يمثل هذا التطور الانتقال من منظومة التعديات والإزالات الجبرية إلى فلسفة الاحتواء القانوني والمرونة الإدارية، حماية للأصول العقارية المقامة وتسوية للمراكز القانونية لآلاف الأسرة التي ظلت تعاني سنوات طويلة من عدم الاستقرار الجنائي والإداري المتصل بالمباني المخالفة.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بمتابعة ترندات متلاحقة تتنوع بين المستجدات الرياضية والأحداث الفنية والمناسبات الرسمية مثل متابعة أخبار الانتقالات لللاعب ناصر ماهر أو تصريحات الفنان توفيق عبد الحميد والفنانة وفاء عامر، يظل ملف التصالح في مخالفات البناء هو الشاغل الأول والعميق لكل أسرة مصرية والمطلب الرئيسي على طاولة الممارسة القانونية اليومية. إذ يتجاوز هذا الملف حدود الخبر اليومي المؤقت ليصل إلى عمق الأمان الاجتماعي والاستقرار المالي، متقاطعاً مع كافة فئات المجتمع من أصحاب العقارات والمستثمرين والمحامين المنوط بهم حماية الأصول وتثبيت حقوق الملكية.
ترتكز الفلسفة التشريعية للتشريع الجديد على حقيقة استقرار الأوضاع العمرانية الواقعية صعوبة إزالة ملايين الوحدات السكنية المقامة بالفعل، مما استوجب إيجاد معادلة قانونية وازنة. تحقق هذه المعادلة انضباط الشارع العمراني، وتكفل للمواطن تقنين أوضاعه بأسعار ومراحل سداد ميسرة، وفي الوقت ذاته تعيد حماية أصول الدولة ومرافقها العامة، حيث أتاحت المادة الأولى والثانية من القانون آلية واضحة للتعامل مع مخالفات البناء وتحديد الاختصاصات بين الجهات الإدارية ولجان البت الفنية بكل دقة وشفافية.
تضمن القانون رقم 187 لسنة 2023 حزمة متكاملة من التيسيرات الإجرائية التي تستهدف القضاء على الروتين الإداري وتذليل العقبات المستندية التي واجهت المواطنين سابقاً. تبدأ أولى خطوات التقنين بالحصول على شهادة البيانات من المركز التكنولوجي، والتي تتضمن التحديد الدقيق للموقع والمساحة والحدود والاشتراطات التخطيطية المعتمدة، يعقبها تقديم الملف الفني المتضمن تقريراً هندسياً معتمداً من مهندس نقابي متخصص أو مكتب استشاري وفقاً لمساحة المبنى وعدد أدوراه، مما يمنح التطبيق مرونة مالية وفنية تناسب كافة الحالات البنائية.
وعلى صعيد السداد المالي والتيسيرات النقدية، قرر التشريع الجديد خفض نسبة مقدم جدية التصالح المحددة بنسبة 25% من إجمالي القيمة المقررة، مع منح خصم مباشر يصل إلى 20% عند السداد الفوري المباشر دفعة واحدة. فضلاً عن ذلك، فتح القانون باب التقسيط للمبالغ المتبقية لفترات تصل إلى ثلاث سنوات بدون أي فوائد مالية، أو امتدادها لمدد تتراوح بين خمس إلى ثماني سنوات بفوائد يحددها البنك المركزي المصري، مما يخفف الأعباء المالية على المواطنين ويوفر حلولاً تمويلية تلائم مختلف مستويات الدخل.
من النواحي التقنية والإدارية، ش شهدت المنظومة إطلاق التطبيق الإلكتروني تصالح والمنصة الرقمية للخدمات المحلية، لتمكين المواطنين والمحامين من تقديم الطلبات ومتابعة خطوات الفحص إلكترونياً دون الحاجة للتزاحم الإداري. يسهم هذا التحول الرقمي في ضمان السرعة والشفافية وتقليل التدخل البشري، مع إلزام لجان البت بالانتهاء من فحص الطلبات واتخاذ القرار خلال مواعيد تنظيمية حتمية لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وهو ما يعد نقلة نوعية مقارنة بالبطء الذي شاب منظومة قوانين التصالح السابقة.
ولم يغفل القانون المعالجة الموضوعية لبعض الحالات التي كانت تُعد حظراً مطلقاً في التشريعات السابقة، حيث أتاح التصالح في مخالفات قيود الارتفاع المقررة من سلطات الطيران المدني أو متطلبات الدفاع عن الدولة متى وافقت الجهات المعنية، وكذا البناء خارج الحوزة العمرانية المعتمدة بالنسبة للكتل المبنية القريبة من الحيز العمراني والآهلة بالسكان، مما أدى إلى توسيع قاعدة الاستفادة وإعادة دمج ملايين المباني داخل المنظومة الرسمية للحقوق والتكليفات.
يمثل قانون التصالح رافداً اقتصادياً بالغ الأهمية يعيد صياغة المؤشرات المالية في قطاع التشييد والبناء المصري. إن تحويل الثروة العقارية العشوائية وغير المسجلة إلى عقارات رسمية ومقننة يرفع من قيمتها السوقية بنسب تتجاوز أحياناً 50%، مما يعزز الثقة لدى البنوك والمؤسسات التمويلية لمنح القروض والائتمان بضمان هذه العقارات. تتقاطع هذه الخطوة مباشرة مع تقارير الأخبار السوقية والتطورات الاقتصادية العالمية، حيث تتحول العقارات المجمدة قانونياً إلى أصول متداولة ترفد الاقتصاد المحلي بالسيولة والمشروعات الاستثمارية المستدامة.
وفيما يتعلق بحماية الأصول والأقوات، تسهم التيسيرات الجديدة في توجيه المدخرات العائلية نحو تقنين أوضاع السكن بدلاً من تبديدها في غرامات جنائية أو مواجهة مخاطر الإزالة والتثمين المنخفض. يتيح التقنين للمواطنين استثمار مدخراتهم الشخصية بأمان تام، مع إمكانية إدخال الخدمات الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء وغاز طبيعي بأسعارها الرسمية، وبما ينهي التعامل بنظام الممارسة المؤقت، متسقاً مع أفضل الممارسات الدولية المتعلقة بالنشرات البيئية والتنمية المستدامة واستقرار الأوضاع الاستهلاكية للمواطنين.
وعلى المستوى الاجتماعي، يحقق القانون سلاماً واستقراراً اجتماعياً واسع النطاق لخلق بيئة سكنية آمنة خالية من النزاعات القضائية المتداولة بالمهددات الجنائية. يتخلص المواطن بموجب شهادة البيانات ونموذج التصالح النهائي من الضغوط النفسية والقانونية الناجمة عن صدور أحكام قضائية بالحبس أو الغرامات في مخالفات البناء، مما ينعكس إيجابياً على الاستقرار الأسري، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس من الشفافية والتعاون المستمر والتفاهم المتبادل.
إن توجيه عوائد التصالح لصالح صندوق التنمية الحضرية ومشروعات الإسكان الاجتماعي والخدمات الأساسية في المحافظات، يخلق دورة اقتصادية مغلقة تتكامل فيها المدفوعات مع التنمية المباشرة. يُسهم ذلك في تحسين جودة الحياة في المناطق الأكثر احتياجاً، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء الشبكات والمرافق وفق معايير التخطيط العمراني المستدام، مما يجعل القانون أداة رئيسية من أدوات العدالة إعادة توزيع الموارد وصيانة الملكية العامة والخاصة.
يشكل الجانب الإجرائي والجنائي في قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 المحور الأكثر أهمية للمحامي الممارس، حيث نصت المادة الثانية عشرة من القانون على أثر قانوني حاسم تتمثل في وقف نظر الدعاوى المتعلقة بالمخالفة، ووقف تنفيذ الأحكام والعقوبات والتدابير المقضى بها بشكل تلقائي ومباشر بمجرد تقديم طلب التصالح والحصول على الشهادة الدالة على ذلك (نموذج رقم 3). يوفر هذا الأثر الموقف للنفاذ حماية جنائية فورية للمواطن ضد إجراءات ضبط وإحكام تنفيذ الأحكام الصادرة في قضايا المباني والتقسيم وتغيير الاستخدام.
ويعتبر صدور قرار قبول التصالح والحصول على (نموذج رقم 8 النهائي) بمثابة ترخيص بناء رسمي للترميم أو التعلية وفقاً للاشتراطات الضابطة، وبمثابة حفظ نهائي لكافة الدعاوى الجنائية الصادرة بشأن المخالفات موضوع الطلب. كما يترتب على هذا النموذج انقضاء الدعوى الجنائية بمرور المدة أو التصالح، وإلغاء كافة قرارات الإزالة الصادرة من الجهات الإدارية المختصة، مع إسقاط الغرامات والآثار الجنائية المترتبة على الأحكام السابقة نهائياً ومحو سابقتها من السجل الجنائي للمواطن.
يتطلب العمل المهني للمحامي في هذه المرحلة دقة بالغة في إعداد الملف الفني والحقوقي للموكل، تبدأ من مراجعة الموقف التخطيطي ونوع المخالفة والتأكد من مطابقتها لنصوص القانون ولائحته التنفيذية، وتجنب السقوط في فخ تقديم مستندات غير مكتملة أو غير دقيقة قد تؤدي إلى رفض الطلب. يلتزم المحامي بمتابعة المهل الزمنية والتظلم أمام لجان التظلمات المحددة بالقانون في حال قيام لجنة البت بفض الطلب أو تقييم سعر المتر بصورة تعسفية لا تتناسب مع القرارات الصادرة من المحافظ المختص.
وفي حالات الرفض النهائية الصادرة من لجان التظلمات، يكفل القانون للمواطن حق الطعن أمام محكمة القضاء الإداري بجمهورية مصر العربية، للمطالبة بإلغاء القرار الإداري السلبي بالرفض أو تعديل تسعير المخالفة، استناداً إلى الشوب التي قد تشوب القرارات الصادرة من لجان الفحص من حيث عيب السبب أو خرق الإجراءات الجوهرية التي حددتها اللائحة التنفيذية للقانون، مما يضمن صيانة الشرعية سيادة وسيادة القانون في كافة الممارسات التنفيذية.
تواجه اللجان الفنية الميدانية ولجان البت مجموعة من المخالفات والتحديات المعقدة عند فحص ملفات التصالح المقدمة، وفي مقدمتها المباني الواقعة خارج الحيز العمراني المقامة بالقرب من خطوط التنظيم أو الضفاف والمسطحات المائية مثل المناطق المحيطة بمجاري ترعة الإسماعيلية أو نهر النيل وفرعيه. وضع التشريع هنا حداً فاصلاً يوازن بين الاعتبارات البيئية وحماية الحرم المائي والأمن القومي، وبين تقنين أوضاع الكتل السكنية المتاخمة للحدود العمرانية المعتمدة بشرط تمتعها بالمقومات الأساسية وإقرار الوزارات المعنية.
تعتبر الارتفاعات البنائية المتجاوزة لسلامة الطيران المدني ومتطلبات وزارة الدفاع من أعقد الشواهد الميدانية، حيث تشترط اللجان موافقة صريحة ومسبقة من هيئة عمليات القوات المسلحة أو سلطة الطيران المدني بحسب الأحوال. يفرض هذا الأمر على المتقدمين والمحامين ضرورة متابعة الحصول على الاستيفاءات الأمنية والفنية للحد من تأخير صدور القرارات النهائية والتأكد من إدراجها ضمن الملف الهندسي المقدم للجنة الفنية بشكل صحيح لا يدعو للشك أو الاستبعاد الإداري.
تظل مسألة والسلامة الإنشائية للعقار هي الشرط غير القابل للتفاوض أو الاستثناء بموجب نص المادة السابعة من القانون، حيث يحظر حظراً مطلقاً التصالح على المباني غير الآيلة للسقوط أو التي تشكل خطراً داكناً على حياة المواطنين وقاطني العقارات المجاورة. يلتزم المهندس الاستشاري بتقديم تقرير السلامة الإنشائية الذي يحدد بدقة قدرة الخرسانات والأساسات على تحمل الأحمال القائمة، مع إلزام مالك العقار بإجراء أعمال التدعيم الفني والترميم الصريحة تحت إشراف هندسي قبل الحصول على الترخيص النهائي والتصالح.
كما تشهد التطبيقات الميدانية تداخلات إدارية تتعلق بالبناء على الأراضي المملوكة للدولة، حيث يشترط القانون أسبقية تقديم طلب تقنين أوضاع Hand على أراضي أملاك الدولة وفقاً للقانون المنظم لذلك، أو تقديم موافقة الجهة صاحب الولاية قبل قبول طلب التصالح. يمثل هذا التداخل حاجة ملحة لزيادة التنسيق بين مختلف الإدارات المحلية وجهات الولاية لسرعة إنهاء المعاملات، ومنع تعطل ملفات المواطنين بين المكاتب الحكومية وتشتت الإجراءات الإدارية.
تطرح في الشارع القانوني والمحيط الشعبي مجموعة من الأسئلة الجوهرية الشائعة التي تستدعي إجابات قانونية حاسمة. يتساءل الكثيرون عن المهل الزمنية المتاحة لتقديم الطلبات؛ ونوضح هنا أن القانون حدد ستة أشهر لتقديم طلبات التصالح تبدأ من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية، وتملك السلطة التنفيذية مدد إضافية بقرار من رئيس مجلس الوزراء، مع ضرورة استغلال أيام العمل وتجنب الإجازات الرسمية المناسبات والعطلات الوطنية كإجازة المولد النبوي الشريف للإسراع في تجهيز الأوراق والمستندات الهندسية المطلوبة وتفادي زحام الأيام الأخيرة.
تدور الملاحظات والأفكار الشائعة أيضاً حول موقف المالك الفرد للوحدة السكنية داخل عقار مخالف رفض بقية سكانه التقدم للتصالح. تجيز اللائحة التنفيذية للقانون الجديد لمالك الشقة أو الوحدة المنفردة تقديم طلب التصالح بشكل منفرد لتقنين وضعه الخاص، شريطة تقديم المستندات الدالة على ملكيته الدقيقة وتحديد المساحة المستفادة، وتوفير التقرير الهندسي الخاص بالسلامة الإنشائية الكلية للمبنى، بما يضمن عدم إضراره برفض بقية الشركاء أو الملاك الشاغلين للبناء.
وفيما يتعلق بالطلبات التي تم رفضها في ظل القانون السابق رقم 17 لسنة 2019، يمنح التشريع الجديد أصحاب تلك الطلبات الحق الكامل في إعادة تقديم طلبات جديدة بموجب أحكام القانون رقم 187 لسنة 2023 دون سداد رسوم فحص جديدة أو رسوم جدية تصالح مرة أخرى، بشرط تقديم ما يثبت سداد هذه المبالغ سابقاً، مع الاستفادة الكاملة من كافة التيسيرات والتسهيلات المالية والارتفاعات الاستثنائية الواردة بالتشريع الجديد.
وأخيراً، يستفسر المواطنون عن التزامات الشركات ومؤسسات المرافق بشأن توصيل المياه والكهرباء والغاز عقب التصالح. ينص القانون بصراحة على إلزام كافة الجهات الحكومية وشركات المرافق بتوصيل الخدمات للوحدات المقننة بموجب نموذج رقم 8 النهائي، مع حظر قطع الخدمات أو الامتناع عن تقديمها للعقارات التي حصلت على التقرير النهائى، بل وحظر رفع أسعار شرائح الاستهلاك الجبري مقارنة بالعقارات الأصلية المعتمدة رسمياً.
تتجه الرؤية المستقبلية لقطاع التخطيط العمراني في مصر نحو بناء قاعدة بيانات رقمية شاملة ومحدثة لجميع العقارات والمباني القائمة على أرض الدولة. يسهم تطبيق قانون التصالح في إمداد الأحياء والمراكز بمعلومات جغرافية وهندسية دقيقة تُدمج ضمن منظومة الرقم القومي للعقار، مما ينقل مصر إلى مرحلة التخطيط الذكي المبني على معطيات واقعية، ويقضي بالكامل على الظواهر العشوائية والبناء دون التخطيط المعتمد في المستقبل القريب.
سوف ينعكس التفعيل المستمر لهذا القانون إيجاباً على استقرار سوق العقارات المصري وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي والمحلي. إن وضوح المراكز القانونية وتوافر عقارات مسجلة ومقننة يمنح المستثمرين الحماية القانونية الكاملة، ويسهل عمليات البيع والشراء والرهن الرسمي، بعيداً عن مخاطر عقود البيع الابتدائية أو البيوع غير المقننة التي كانت تسود السوق العقاري وتتسبب في نزاعات قضائية معقدة تأخذ سنوات طوال في أروقة المحاكم.
كما يرتبط نجاح التشريع الجديد ارتباطاً وثيقاً بجهود التنمية المستدامة وحماية البيئة العمرانية. تتيح الموارد المالية المحصلة حيازة مخصصات تمويلية قوية لدعم مشروعات البنية التحتية، وتوسيع الشبكات الذكية، وتطوير الطرق، وإنشاء المساحات الخضراء، والمساهمة في تنفيذ أهداف الأجندات البيئية والتنموية، مما يعزز قدرة المدن على الصمود ومواجهة المتغيرات المناخية والضغط السكاني المرتفع بأسلوب علمي ومنظم.
وفي الختام، يظل الوعي القانوني والمبادرة السرعة بالتقنين هما حجر الزاوية للمواطن والمحامي على حد سواء. إن استغلال المهلة المقررة قانوناً والالتزام بالشروط والضوابط الواردة بالقانون رقم 187 لسنة 2023 ولائحته التنفيذية يمثل الخيار الآمن والأمثل لحماية الحقوق العقارية، وضمان استقرار المراكز القانونية، والمساهمة الفاعلة في صياغة مستقبل عمراني حضاري ومستدام يخدم الأجيال القادمة ويحفظ المقدرات الوطنية.
يتناول التشريع الجديد لتقنين أوضاع مخالفات البناء مجموعة من الحالات المعقدة التي كانت تشكل حائلاً دون استكمال ملفات التصالح في القوانين السابقة، وعلى رأسها البناء على الأراضي الزراعية، وحرم الآثار، ومناطق الحماية الخاصة بوزارة الموارد المائية والري. فقد وضع القانون آليات مرنة تعتمد على الموازنة بين مصلحة المواطن والاستقرار الاجتماعي من جهة، والحفاظ على مستهدفات الدولة في صون الرقعة الزراعية والأصول الأثرية والمجاري المائية من جهة أخرى.
فيما يتعلق بالبناء خارج الأحوزة العمرانية المعتمدة، حدد القانون ضوابط قاطعة تخاطب الكتل السكنية المتاخمة للكتل المبنية المأهولة بالسكان، بشروط ترتبط بوجود خريطة للتصوير الجوي المحدث، مع استيفاء المرافق الأساسية وشغل العقارات بالسكان. وتتولى اللجان الفنية بالتنسيق مع مديريات الزراعة والمجالس المحلية تحديد مدى إمكانية تقنين تلك الكتل دون الإخلال بالصالح العام، مع فرض أطر حازمة لمنع الامتداد العشوائي المستقبلي.
أما بالنسبة للتعديات على حرم المجاري المائية وحرم الآثار، فقد سمحت التسهيلات الجديدة بنظر التصالح وفق استثناءات مشروطة بموافقة الجهات الإدارية المختصة ذات الولاية. وتشمل هذه الاستثناءات ألا تكون المخالفة تمثل تهديداً خطيراً للسلامة الإنشائية أو المجرى المائي، وألا تعوق المشروعات القومية لتطوير نهر النيل والمجاري المائية. وتُدرس كل حالة على حدة بواسطة لجان مشتركة تضم ممثلين عن وزارات الري والأثار والتدريب الهندسي للتأكد من عدم الإضرار بالقيمة التاريخية أو البيئية للموقع.
يُمثل الحصول على شهادة نموذج التصالح النهائي (نموذج 10) نقطة تحول جوهرية في القيمة السوقية والاستثمارية للعقار. فعلى مدى العقود الماضية، عانت ملايين الوحدات السكنية والتجارية من حالة تجميد مالية نتيجة عدم إمكانية تسجيلها بالمشاهر العقارية أو الاعتماد عليها كضمانات ائتمانية للحصول على تسهيلات مالية من الجهاز المصرفي.
مع إتمام إجراءات التصالح وتقنين الوضع القانوني، تنتقل هذه الثروة العقارية الضخمة من الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد الرسمي، مما يتيح لمالكيها إمكانية الاستفادة من مبادرات التمويل العقاري المتعددة التي تطرحها البنوك بمدد سداد طويلة وأسعار فائدة مدعومة. كما تمنح تقارير التقييم الائتماني للعقارات القانونية مرونة أعلى وقيمة أعلى تصل إلى ضعف قيمتها وهي في وضع مخالف.
تستفيد البنوك ومؤسسات التمويل أيضاً من هذا التقنين عبر انخفاض المخاطر المرتبطة بالأصول الضامنة، حيث يصبح العقار مسجلاً ومصحوباً برخص تنشيط وتوصيل رسمي للمرافق، ومأمناً ضد أحكام الهدم أو إزالة المنشآت. يفتح هذا التحول آفاقاً جديدة لتنشيط حركة البيع والشراء في سوق العقارات الثانوية (إعادة البيع)، ويعزز من سيولة الأفراد والمؤسسات الصغيرة والمشروعة.
تعتمد المنظومة الجديدة للتصالح على البنية التحتية الرقمية لتقليل التدخل البشري وتسريع وتيرة البت في الطلبات. حيث تم ربط المركز التكنولوجي بكل حديقة محلية أو مركز بالمراكز المساحية المعتمدة، واستخدام التقنيات الحديثة كـ نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والتصوير الجوي والفضائي للتحقق من تاريخ ارتكاب المخالفة ومدى مطابقتها للخرائط المعتمدة.
يلعب التقرير الهندسي الصادر عن الاستشاريين المقيدين بنقابة المهندسين دوراً محورياً في حسم سلامة المنشأ. وحدد القانون مستويات متدرجة للتقارير الهندسية بحسب مساحة المبنى وارتفاعه؛ فالمباني التي لا تتجاوز مساحتها حدوداً معينة وارتفاعات محددة يُكتفى فيها بتقرير من مهندس نقابي ممارس لتخفيف الأعباء المالية على المواطنين، بينما تتطلب الأبراج والمجمعات السكنية الكبرى تقريراً شاملاً صامداً من مكتب استشاري متخصص في الهندسة الإنشائية.
يتضمن التقرير الهندسي تقييم المخاطر وتأكيد السلامة الإنشائية للعقار لضمان عدم تعرض حياة القاطنين للخطر، بالإضافة إلى شهادة سلامة التوصيلات الكهربائية والإنشائية، وموافاة اشتراطات الحماية المدنية فيما يتعلق بمنافذ الهروب ومكافحة الحريق، خاصة في المباني ذات الاستخدام الاستثماري أو التجاري أو الأبراج المرتفعة.
لضمان شفافية التطبيق، اعتمدت اللائحة التنفيذية للقانون صيغاً حسابية محددة لتحديد قيمة التصالح المالي لكل متر مربع بحسب المنطقة الجغرافية والمستوى العمراني ومدى توافر المرافق، مع وضع حد أدنى وحد أقصى لسعر المتر.
مثال تطبيقي (1): عقار سكني في عاصمة محافظة
- المساحة الإجمالية للمخالفة: 200 متر مربع (دور مخالف).
- سعر المتر المحدد بالمنطقة: 250 جنيهاً مصرياً.
- القيمة الإجمالية المفترضة: 200 × 250 = 50,000 جنيه مصري.
- في حال السداد الفوري (الكاش): يحصل المواطن على خصم بنسبة 25%، لتصبح القيمة النهائية 37,500 جنيه مصري.
- في حال السداد بالتقسيط: يتم دفع جدية تصالح بنسبة 25% (12,500 جنيه)، ويُقسط المبلغ المتبقي (37,500 جنيه) على فترات تصل إلى 3 سنوات بدون فوائد، أو على 5 سنوات بفائدة محددة طبقاً للائحة.
مثال تطبيقي (2): مبنى في قرية أو عزبة
- المساحة الإجمالية للمخالفة: 150 متراً مربعاً.
- سعر المتر للقرى (الحد الأدنى بالقانون): 50 جنيهاً مصرياً.
- القيمة الإجمالية: 150 × 50 = 7,500 جنيه مصري.
- عند السداد السريع المباشر بعد الخصم (25%): يسدد المواطن 5,625 جنيهاً مصرياً فقط لإتمام تقنين وضعه والحصول على الرخصة النهائية.
تسهم هذه النماذج المرنة في تشجيع مختلف الفئات الاجتماعية على استكمال الإجراءات دون تحميلهم أعباء مالية تفوق قدراتهم الاستهلاكية.
لا تتوقف فلسفة قانون التصالح عند حدود جمع الرسوم أو إسباغ المشروعية على الأبنية المخالفة، بل تمتد لتكون أداة تخطيطية واجتماعية لإعادة صياغة الخريطة العمرانية للدولة وتحسين جودة حياة المواطنين.
تُوجّه الموارد المالية المحصلة من أوراق التصالح بنسب محددة لصالح حصة الحماية الاجتماعية، وصندوق الإسكان الاجتماعي، وتطوير البنية التحتية من شبكات مياه وشرب وصرف صحي وطرق في المناطق التي ظلت لعقود تعاني من نقص الخدمات بسبب نموها العشوائي. هذا التدوير المالي يضمن أن يعود المردود المباشر للتصالح على المواطن في صورة خدمات أفضل ومحيط بيئي وصحي منتظم.
على المستوى الاجتماعي، ينهي التقييم والتقنين حالة القلق والنزاعات القضائية المستمرة بين المواطنين وأجهزة الدولة أو بين الشركاء في العقار الواحد. كما يضمن استقرار الملكيات وتمريرها للأجيال القادمة بعقود رسمية موثقة، مما يعزز المواطنة والشعور بالاستقرار الاجتماعي والاطمئنان على الممتلكات.