شهدت محركات البحث زيادة ملحوظة في البحث عن مصطلح «التحريض»، بالتزامن مع قضايا ومتابعات إعلامية أثارت الجدل في الشارع حول الحدود القانونية للتعبير والمسؤولية الجنائية. يهم هذا الموضوع المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي وكافة المحامين، كونه يسلّط الضوء على المواد المنظمة للتحريض في قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ومدى التمييز بين حرية الرأي وبين الجرائم التي تستوجب المساءلة والملاحقة القضائية.
شهدت محركات البحث في مصر خلال الآونة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً وغير مسبوق في معدلات البحث عن مصطلح التحريض والتكييف القانوني المرتبط به. يعكس هذا التحول الرقمي حالة من الشغف والاهتمام المجتمعي الواسع بفهم الأطر القانونية التي تحكم الخطاب العام، ولا سيما عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. وجاء هذا الصعود الملاحظ بالتزامن مع تداول العديد من القضايا الجماهيرية والمتابعات الإعلامية المثيرة للجدل، والتي تناولها إعلاميون وباحثون وصناع محتوى، مما دفع المواطن العادي والمختص القانوني على حد سواء إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين حرية التعبير عن الرأي وبين الوقوع تحت طائلة المساءلة الجنائية بتهمة التحريض.
إن الصعود المفاجئ لهذا المفهوم القانوني المعقد في قائمة الاهتمامات اليومية للجمهور المصري لا ينفصل عن طبيعة الفضاء الرقمي الحديث، الذي أتاح للجميع منابر مفتوحة لإبداء الآراء والمشاركة في النقاشات العامة. ومع اتساع نطاق التفاعل اليومي حول مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أصبحت الكلمة المكتوبة أو المنطوقة تبث في ثوانٍ معدودة لتصل إلى ملايين المتابعين. هذا الانتشار السريع أوجد بيئة خصبة لتداخل المفاهيم، حيث يجد مستخدم المنصات نفسه في كثير من الأحيان أمام تساؤلات قانونية حاسمة تتصل بمدى مشروعية المحتوى الذي ينشره أو يعيد مشاركته، وما إذا كان هذا المحتوى يتضمن عناصر قد تُفسر قانوناً على أنها تحريض على ارتكاب أفعال غير مشروعة.
تتعدد الدوافع التي أدت إلى جعل هذا المصطلح ترند يفرض نفسه على النقاش العام، وتتنوع بين الرغبة في الوقاية القانونية لدى صناع المحتوى ورواد التواصل الاجتماعي، وبين متابعة القضايا الجنائية المنظورة أمام المحاكم المصرية. إن القضايا الأخيرة التي شغل بها الشارع المصري، أظهرت بوضوح أن الفهم الخاطئ للقوانين المنظمة للنشر والتعبير قد يؤدي إلى تبعات قانونية جسيمة. ومن هنا، تحولت منصات البحث إلى ملجأ أولي للمواطنين لاستيضاح المفاهيم، والبحث عن إجابات حاسمة تجنبهم المساءلة، وتوضح لهم طبيعة التهم الموجهة في قضايا الرأي العام التي تبثها منصات الإعلام بانتظام.
من الناحية التحليلية، يمثل هذا الزخم المتزايد فرصة للتوعية القانونية الرشيدة التي توازن بين حق الفرد في التعبير وبين صيانة النظام العام والمصالح العليا للمجتمع. تفرض هذه الظاهرة على المؤسسات القانونية والمنابر التحليلية المتخصصة التصدّي للشرح المباشر والدقيق للمفاهيم الجنائية، واستعراض النصوص التشريعية المتعلقة بالتحريض بأسلوب مهني ومجرد، بعيداً عن الإثارة الإعلامية. إن استيعاب الشارع المصري لهذه التفاصيل يساهم بشكل مباشر في رفع مستوى الوعي القانوني، ويقلل من حالات الوقوع الشائعة في الخطأ الناتجة عن جهل بالقوانين والتعديلات التشريعية الحديثة.
يعرف الفقه الجنائي المصري التحريض بأنه خلق الفكرة الجنائية لدى شخص آخر وحثه على ارتكاب جريمة معينة لم تكن في ذهنه أو تثبيت هذه الفكرة ودفع صاحبها إلى تنفيذها. ويستند التكييف التشريعي للتحريض في النظام القانوني المصري بشكل أساسي إلى قواعد الاشتراك في الجريمة الواردة في قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته. وتنص المادة 40 من قانون العقوبات على أن يُعد شريكاً في الجريمة كل من حرض على ارتكاب الفعل المكون للجريمة إذا كان هذا الفعل قد وقع بناءً على هذا التحريض. فالتحريض في أصله النظري هو نوع من المساعدة المعنوية أو الخلقية المباشرة التي تسبق ارتكاب الفعل المادي للجريمة.
ولكي تترتب المسؤولية الجنائية على الشريك بالمساهمة الجنائية عن طريق التحريض، يستلزم القانون توافر أركان أساسية وشروط محددة لا بد للمحكمة من التثبت منها. يتطلب الركن المادي نشاطاً إيجابياً من المحرض يتمثل في وسائل الحث أو الدفع أو الإغراء أو التهديد، حيث لا يتصور حدوث التحريض بالامتناع السلبي. أما الركن المعنوي، فيتمثل في القصد الجنائي الشامل الذي يتطلب علم المحرض بأن من شأن أفعاله أو كلماته دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة، مع توافر إرادة حقيقية لتحقيق هذه النتيجة الجنائية. وبدون توافر هذا القصد المباشر، ينحسر الوصف الجنائي للتحريض ليتحول النشاط إلى مجرد رأي أو إبداء وجهة نظر لا تستوجب العقاب الجنائي.
تتدرج العقوبة المقررة للمحرض في التشريع المصري بناءً على القاعدة العامة الواردة في المادة 41 من قانون العقوبات، والتي تقرر أن الشريك في الجريمة يُعاقب بالعقوبة المقررة للفاعل الأصلي، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. هذا الاتساق التشريعي يعكس نظرة المشرّع المصري إلى التحريض باعتباره لا يقل خطورة عن التنفيذ المادي للجريمة، بل قد يفوقه خطورة في بعض الأحيان لكون المحرض هو المخطط والدافع الأصلي للجريمة. وفي بعض الجرائم الخاصة المتعلقة بالأمن القومي أو السلام الاجتماعي، أفرد المشرع نصوصاً تجرم التحريض المباشر أو العلني بحد ذاته، حتى لو لم يترتب عليه وقوع الجريمة الفعلية، كنوع من الحماية الوقائية للحقوق والمصالح المجتمعية.
تأخذ محكمة النقض المصرية بمعايير صارمة عند بسط رقابتها على أحكام الإدانة الصادرة في جرائم التحريض، إذ تشترط قيام رابطة السببية المباشرة بين فعل التحريض وبين الجريمة المرتكبة. ويستلزم التكييف القانوني السليم أن يحدد الحكم الصادر بالإدانة الأفعال والعبارات الصريحة التي شكلت التحريض، وبيان الأثر الذي أحدثته هذه العبارات في نفس الفاعل الأصلي. هذا التدقيق القضائي الضامن يضمن عدم توسع سلطات التحقيق أو محاكم الموضوع في تفسير النصوص الجنائية، ويضمن ألا تُتخذ العبارات العامة أو الانتقادات الحادة ذريعة لإسباغ وصف التحريض عليها دون سند قانوني وفعلي يتفق وصحيح القانون.
مع التحول الرقمي الشامل وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، انتقل مفهوم التحريض من صورته التقليدية المتمثلة في الخطابة أو المنشورات الورقية إلى آفاق رقمية واسعة ومتشابكة. أدى هذا التطور إلى صدور التشريعات المخصصة لضبط السلوكيات الرقمية، وعلى رأسها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. أحدث هذا القانون نقلة نوعية في التعامل مع الجرائم الإلكترونية، حيث واجه الصور الحديثة للتحريض التي تتم عبر الشبكات المعلوماتية والمواقع والحسابات الإلكترونية، واضعاً أطراً محددة للمسؤولية الجنائية المنشأة عبر الإنترنت.
تتضمن المواد القانونية في قانون تقنية المعلومات، ولا سيما المادتين 25 و27، أحكاماً مشددة تتعلق باستغلال الحسابات والمنشورات الرقمية في ارتكاب الأفعال المؤثمة. وتنص المادة 27 على معاقبة كل من أنشأ أو إدارة أو استخدم موقعاً أو حساباً خاصاً على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً. هذا النص يغطي بشكل مباشر حالات استخدام المنصات الرقمية للتحريض على العنف أو نشر الأخبار الكاذبة أو الاعتداء على الحرمات الشخصية والنظام العام، مما يجعل استخدام الوسائل الرقمية ظرفاً يسهل تتبع الأثر الجنائي من خلال الأدلة الرقمية الجنائية والبروتوكولات المعمول بها.
يتميز التحريض الإلكتروني بخاصية الانتشار الفوري والتأثير الجماعي الواسع، وهو ما يضاعف من خطورته الجنائية مقارنة بالتحريض التقليدي. إن المنشور أو المقطع المصور الذي يتم بثه عبر حساب شخصي قد يصل إلى مئات الآلاف من المستخدمين في لحظات معدودة، مما يمنح فعل التحريض قوة دفع تتجاوز إرادة المحرض الفردية. ومن هنا، تتعامل النيابة العامة المصرية والمحاكم الاقتصادية والمختصة مع هذه الجرائم بحرص شديد، حيث يتم الاستعانة بالفحص الفني لتحديد صاحب الحساب، وبيان نطاق انتشار المادة التحريضية، ومدى توافر القصد الجنائي لدى الناشر أو كاتب التعليق.
يثير التطبيق العملي لقانون تقنية المعلومات مسألة الدليل الرقمي وكيفية إثبات نسبة المحتوى التحريضي للفاعل الأصلي. فالأدلة الرقمية المقبولة أمام القضاء المصري تخضع لشروط فنية دقيقة تتعلق بسلامة الدليل وعدم العبث به، بدءاً من تفريغ الحسابات والمحادثات وحتى تحديد العنوان الإلكتروني للمستخدم. وتلعب الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية دوراً محورياً في إعداد التقارير الفنية التي تعتمد عليها النيابة العامة في تحديد ما إذا كانت العبارات المنشورة تشكل تحريضاً صريحاً أم أنها مجرد تفاعلات رقمية تقع ضمن نطاق التعبير أو التداول المعتاد للبيانات.
يكفل الدستور المصري الصادر عام 2014، ولا سيما في المادة 65 منه، حرية الفكر والرأي، معتبراً أن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر. ومع ذلك، يقر الفقه والقضاء الدستوري في مصر بأن حرية التعبير ليست حقاً مطلقا بلا حدود، بل هي حرية منظمة تخضع لقيود تهدف إلى حماية حقوق الآخرين وصيانة الأمن القومي والنظام العام والآداب العامة. ويكمن تحدي التطبيق العملي دائماً في التحديد الدقيق للحد الفاصل الذي ينتهي عنده ممارسة الحق في التعبير ويبدأ عنده ارتكاب فعل التحريض الجرمي.
يعتمد القضاء المصري في التمييز بين التعبير المباح والتحريض المجرم على معايير موضوعية تستند إلى مضمون الكلمات والسياق العام الذي قيلت فيه. فالنقد اللادع للسياسات أو القرارات أو الشخصيات العامة يُعد صوراً من صور ممارسة حرية التعبير المكفولة دستورياً وقانونياً، طالما لم يتضمن تحريضاً مباشراً على الخروج على القانون أو ممارسة العنف أو الحث على ارتكاب جرائم محددة. أما إذا احتوى النص أو الخطاب على عبارات واضحة تدعو الجمهور أو أفراداً معينين لارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون، فإن الوصف يتغير قانوناً من حرية رأي إلى تحريض تستوجب المساءلة وتتحرك معه دعوى العمومية.
تستقر أحكام محكمة النقض المصرية على أن العبرة في المقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني وحدها عند تقييم الخطاب المكتوب أو المنطوق. وتبحث المحكمة عن النية الجنائية الشاملة واستقرارها في وجدان المتهم وقت إطلاق العبارات، مع مراعاة الظروف الحافة بظروف الواقعة. فإذا تبين للمحكمة أن المتهم كان يهدف فقط إلى التعبير عن مظلمة أو ممارسة حق النقد المباح دون أي اتجاه لإثارة الفتن أو تحريض الآخرين على ارتكاب الجرائم، فإن حكم البراءة يكون هو النتيجة القانونية المنطقية لغياب الركن المعنوي للجريمة.
إن المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر يشددون دائماً في دفعهم وأسانيدهم على ضرورة ضيق التفسير في النصوص العقابية المتعلقة بجرائم النشر والتعبير. يستند هذا الاتجاه إلى المبدأ الأصولي المترسخ الذي يقضي بوجوب تفسير الشك لصالح المتهم، وعدم التوسع في التأويل لمد نطاق التجريم إلى سلوكيات تقع في أصلها ضمن دائرة الحرية الفردية. يضمن هذا التوازن الفقهي والميداني الحفاظ على بيئة صحية للتعبير والمشاركة المجتمعية مع ضمان بقاء سلطة القانون حاسمة في مواجهة أفعال التحريض الحقيقية التي تهدد الأرواح والممتلكات والسلم المجتمعي.
تلقي القضايا والتحقيقات المتعلقة بالتهم الجنائية للتحريض بظلالها الواضحة على البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. من الناحية الاجتماعية، يؤدي الغموض أو النقص في الوعي القانوني بحدود التحريض إلى حالة من الحذر الرقمي والتوجس بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتردد البعض في المشاركة في النقاشات العامة خوفاً من المساءلة. وعلى الجانب الآخر، يساهم الإنفاذ المتوازن للقانون في منع انتشار خطاب الكراهية والعنف والتلاسن الرقمي، مما يعزز الاستقرار المجتمعي ويحمي الأفراد والمؤسسات من الحملات الموجهة التي قد تضر بالسلم الأهلي.
على الصعيد الاقتصادي، يرتبط الاستقرار القانوني الرقمي المباشر ببيئة الأعمال والاستثمار في قطاع التكنولوجيا والاتصالات ومجالات التجارة الإلكترونية. إن وجود أطر تشريعية وقضائية واضحة ومحددة لجرائم النشر والتحريض الإلكتروني يعزز ثقة الشركات العالمية والمحلية في السوق المصري، حيث يضمن حماية البيانات والمعاملات الرقمية من الهجمات التخريبية أو حملات التحريض التي قد تستهدف الكيانات الاقتصادية. وتؤكد الدراسات القانونية أن البيئة الرقمية الآمنة المنظمة بالقانون تساهم في نمو الخدمات المالية الرقمية واستخدام تطبيقات مثل إنستاباي وتسهيل التداول الإلكتروني في سوق مستقر وخالٍ من الفوضى.
يرى خبراء القانون وممارسو المحاماة في مصر أن التحدي الأكبر يكمن في سد الفجوة بين النص التشريعي وبين الممارسة الرقمية اليومية للجمهور. ويؤكد أستاذة القانون الجنائي أن الوقاية القانونية تبدأ من نشر الثقافة التشريعية وتوضيح الأخطاء الشائعة، مثل اعتقاد البعض أن إعادة نشر أو مشاركة محتوى تحريضي أعده شخص آخر يعفيهم من المسؤولية. ويوضح الخبراء أن المشاركة قد تُكيف في حالات معينة كاستعادة للتحريض أو ترويج له، مما يضع المشارك تحت ذات التكييف الجنائي للفاعل الأصلي إذا ثبت توافر القصد الجنائي لديه.
تتعدد الأسئلة الشائعة التي يطرحها الجمهور والمتابعون للملفات القانونية عبر المنصات المختلفة. ومن أبرز هذه الأسئلة: هل يعتبر مجرد كتابة تعليق غاضب تحريضاً؟ وتكون الإجابة الجنائية الدقيقة أن التعليق الغاضب لا يعد تحريضاً ما لم يتضمن تحثيثاً صريحاً أو دعوة مباشرة لارتكاب جريمة محددة. وسؤال آخر يتعلق بمدى مسؤولية أصحاب المجموعات والصفحات الرقمية؛ حيث تستقر القواعد القانونية على أن المسؤولية الجنائية شخصية وتدور وجوداً وعدماً مع ثبوت الفعل الشخصي والقصد الجنائي للمستخدم نفسه، وليس مجرد ملكيته للحساب أو الصفحة ما لم يثبت اشتراكه المباشر في الجرم.
تتجه الرؤية المستقبلية للمنظومة التشريعية والقضائية في مصر نحو تطوير وتحديث الأطر القانونية لتواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، ولا سيما مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات التزييف العميق. تشكل هذه التقنيات الحديثة تحدياً استثنائياً لمفهوم التحريض، حيث أصبح بالإمكان فبركة مقاطع صوتية ومرئية ونسبتها لأشخاص آخرين بهدف التحريض على ارتكاب أفعال مجرمة أو إثارة الرأي العام. ويتطلب هذا الواقع الجديد تطوير التشريعات الجنائية وقوانين الإثبات لتكون قادرة على معالجة هذا النوع المتقدم من الجرائم الإلكترونية وتحديد الفاعل الحقيقي بدقة فنية عالية.
يتوقع المحللون القانونيون أن تشهد الفترة القادمة توسعاً في التخصص القضائي وتطوير قدرات النيابات العامة والمحاكم في التعامل مع أدلة النشر الإلكتروني والتحريض الرقمي. إن إنشاء النيابات المتخصصة وتدريب الكوادر القضائية على التعامل مع الأمن السيبراني والأدلة الرقمية يساهمان بشكل فعال في سرعة الفصل في القضايا، وتقليل فترات الحبس الاحتياطي، وإصدار أحكام قضائية تتسم بالدقة والعدالة الناجزة. كما أن الاعتماد المباشر على الخبرات الفنية المستقلة يضمن عدم اللبس بين الأنشطة الرقمية العادية وبين الجرائم المؤثمة قانوناً.
على مستوى التوعية والمبادرات المجتمعية، يتصاعد دور مؤسسات المجتمع المدني النقابية والحقوقية، وعلى رأسها نقابة المحامين، في تقديم برامج توعوية متخصصة توضح للجمهور ولشباب المحامين الدقائق القانونية الفاصلة في جرائم تقنية المعلومات. إن التوعية المستمرة بآليات استخدام المنصات الرقمية بشكل آمن وتجنب الوقوع في فخ التحريض أو الترويج غير المقشود للجرائم، تعد حائط الصد الأول للحد من ارتفاع القضايا الجنائية المنظورة أمام المحاكم، وتعزز الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا للتعبير عن الآراء وبناء المجتمع.
يبقى التوازن بين إنفاذ القانون وحماية الحقوق والحريات الدستورية هو الشاغل الأساسي والركيزة الأهم للسياسة الجنائية الحديثة في مصر. إن السياسة الجنائية الرشيدة لا تكتفي بوضع العقوبات وتغليظها، بل تعمل على خلق بيئة قانونية شفافة يستطيع المواطن من خلالها معرفة حقوقه وواجباته بوضوح. ومن خلال التحديد الدقيق لجرائم التحريض وضمانات المحاكمة العادلة، يستمر القضاء المصري في أداء دوره التاريخي كحارس للحقوق والحريات وصمام أمان للنظام العام والاستقرار المجتمعي في مواجهة كافة التحديات والتحولات.
شهد الفقه والقضاء الجنائيان في مصر تحولاً مفصلياً مع صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي جاء لردم الفجوة بين الأشكال التقليدية للتحريض ومستجدات الفضاء الرقمي. قبل هذا التشريع، كان النص العادي في قانون العقوبات (المادة 40 وما بعدها) يتطلب وسائط تقليدية كالكتابة أو الخطابة علناً في مكان عام؛ غير أن المشرّع المصري عبر القانون 175 أفرد نصوصاً تتلاءم مع طبيعة الشبكات المعلوماتية.
تُبرز المادتان 25 و27 من هذا القانون البعد الجديد للتحريض الرقمي؛ حيث تجرّم المادة 25 الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وتستخدم عبارات واسعة تشمل نشر معلومات أو أخبار أو صور شأنها المساس بهذه القيم، وهو ما اتجه القضاء إلى تكييفه في أحكام عدة على أنه نمط من أنماط «التحريض على الانحراف أو الخروج على النظام العام السلوكي». أما المادة 27، فتنص على عقوبة إنشاء أو إدارة حساب أو موقع خاص يهدف إلى تسهيل ارتكاب جريمة مُعاقب عليها قانوناً، مما ينقل مفهوم «التحريض» من مجرد حث شفهي أو كتابي إلى مرحلة التأسيس الرقمي والهيكلي لبيئة المحرضين.
من الناحية التطبيقية، أثارت هذه النصوص إشكاليات متصلة بالإثبات والدليل الرقمي (Digital Evidence). فالتحريض الإلكتروني غالباً ما يتخذ شكل مقاطع فيديو مباشرة (Live Streams) أو منشورات مؤقتة (Stories) تتلاشى تلقائياً، أو رسائل عبر تطبيقات مشفرة. وهنا تعتمد النيابة العامة المصرية والمحاكم على تقارير «الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات» بوزارة الداخلية، حيث يُتطلب لتأكيد المسؤولية الجنائية ليس فقط ضبط المحتوى، بل إثبات «النسبة الرقمية» للجرائم، متضمنة عنوان البروتوكول (IP Address)، والبصمة الرقمية للجهاز المُستخدم، وإثبات السيطرة الفعلية للمتهم على الحساب أو الصفحة في وقت إرسال العبارات المحرضة.
استقرت أحكام محكمة النقض المصرية على معايير صارمة للتمييز بين الفعل المجرم المتمثل في التحريض على ارتكاب الجرائم، وبين الممارسة المشروعة لحرية الفكر والتعبير المنصوص عليها في المادة 65 من الدستور المصري الحالي. ولعل أهم المعايير التي توافقت عليها الأحكام القضائية تتمثل في «مباشرة العبارات» و«نيّة التأثير المباشر في إرادة الغير».
ووفقاً للتقاليد القضائية المستقرة في مصر، فإن مجرد معارضة سياسة معينة، أو توجيه نقد حاد للقرارات الإدارية والاقتصادية، لا يُعد تحريضاً طالما لم يترتب عليه حث صريح أو ضمني مقترن بقصد جنائي يدفع إلى خرق أحكام قانون العقوبات أو ارتكاب سلوك مجرم كالاعتداء على الأموال أو الأشخاص أو الممتلكات العامة. تُشدد محكمة النقض في المبدأ المستقر صراحةً على أن «العبرة في المقالات والعبارات والمنشورات بالمعاني التي تؤديها ككل، لا ببعض العبارات المفصولة عن سياقها»، مما يفرض على قاضي الموضوع التزاماً ببحث السياق العام للحديث واستخلاص القصد الجنائي الخاص (Dolus Specialis) للتحريض.
وتشترط محكمة النقض لوقوع التحريض الجنائي المستقل أو المباشر توافر رابطة سببية مفترضة بين فعل التحريض والجريمة المنشأة عنه إذا كانت محددة، أو ثبوت الخطر العام والدافع الإجرامي إذا كان التحريض منصباً على تكدير الأمن والسكينة العامة. وتتولى سلطة الإثبات تقييم التأثير المحتمل للعبارات بالنظر إلى جمهور المتلقين، ومكان التلقي، والظروف السياسية أو الاجتماعية المقترنة بزمن صدور العبارات.
يقف الفقه الجنائي المصري أمام ظاهرة قانونية معقدة تُعرف بـ «التحريض غير المباشر» أو «التحريض بالإيحاء» (Indirect Incitement). وتتجلى هذه الصورة عندما لا يصدر عن الجاني أمر صريح أو طلب مباشر بارتكاب جريمة معينة، بل يستخدم مفردات رمزيّة، أو شفرات لغوية، أو رسوماً تعبيرية (Memes)، أو تلميحات يفهم منها المتابعين أو المخاطَبين الحث على سلك سلوك مجرم.
من الناحية النظرية، تختلف الآراء الفقهية في مدى جواز المساءلة الجنائية عن هذه الأشكال؛ حيث يرى فريق من الفقهاء أن القاعدة الأصولية «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص» وتفسير الشك لصالح المتهم، تمنعان التوسع في تفسير الألفاظ المبهمة، وتستلزمان أن يكون الفعل المادي للتحريض واضحاً لا يحتمل التأويل. في المقابل، يتجه الاتجاه السائد في القضاء الجنائي والنيابة العامة إلى إمكانية إثبات التحريض غير المباشر شريطة توافر «القرائن القضائية المتظافرة» التي تؤكد أن المتهم استخدم السخرية أو التلميح للتملص من المسؤولية المباشرة مع تحققه كاملاً من تأثير كلماته في إحداث الجريمة.
وقد برز هذا التحدي بشكل جلي في القضايا المتصلة بالتحريض على العنف المجتمعي أو خطابات الكراهية ضد فئات معينة، حيث يعمد المحرض إلى تقديم العنف في قالب حكايات أو إسقاطات تاريخية أو رموز بصرية. وفي هذه الحالات، تلجأ المحاكم المصرية إلى ندب خبراء في اللغة والإعلام والتكنولوجيا للوقوف على دلالات الألفاظ والسياقات الرقمية لتحديد مدى توافر الركن المادي للجريمة.
تُعد مسألة التكييف القانوني لمسؤولية مشرفي المجموعات (Group Admins) ومديري الصفحات على منصات مثل "فيسبوك" و"واتساب" و"تليجرام" من أكثر المحاور بحثاً وجدلاً في الرأي العام والمجتمع القانوني المصري. يثور السؤال الشائع حول مدى إمكانية مسألة المشرف جنائياً عن عبارات التحريض التي يكتبها أعضاء آخرون داخل المجموعة.
وفقاً للمبادئ المستقرة في القانون الجنائي المصري، تتأثث المسؤولية على قاعدة «شخصية العقوبة والمسؤولية الجنائية» (المادة 95 من الدستور). وبناءً عليه، فإن مدرب أو مدير المجموعة لا يتحمل تلقائياً المسؤولية الجنائية عن أفعال وتصريحات الغير لمجرد أنه يمتلك صلاحية الإدارة الفنية (Technical Control)، إلا إذا توافرت في حقه إحدى الحالات الآتية:
1. **التواطؤ والاتفاق المسبق**: أن يثبت وجود اتفاق جنائي بين المدير والمشترك للنشر بهدف التحريض، مما يجعله شريكاً بالاتفاق أو المساعدة وفقاً للمادة 40 من قانون العقوبات.
2. **الامتناع العمدي مع القدرة والتأييد**: إذا قام العضو بنشر منشور تحريضي صريح، وحصل المدير على إخطار أو علم يقيني بالمحتوى، ثم امتنع عن حذفه أو حظر العضو مع تثبيت منشور التحريض أو التفاعل معه بالإعجاب والمشاركة، حيث يُكيف الامتناع هنا كفعل إيجابي دال على الرضا والمساهمة في استمرار الجريمة وشيوعها علناً.
3. **إعداد المنصة خصيصاً للجريمة**: وهو ما تتناوله المادة 27 من قانون تقنية المعلومات، حين يُنشأ الحساب أو الحيز الرقمي في الأصل بغرض التجميع للتحريض على أفعال غير قانونية.
لا يقتصر نطاق التحريض على الجرائم التقليدية كالقتل أو السرقة أو العنف، بل يمتد في التشريع والقضاء المصريين إلى مجالات أخرى تتأثر مباشرةً باستقرار الشارع، ومن أهمها الجرائم الاقتصادية والأخلاقية وتكدير السلم العام:
- **التحريض على الجرائم الاقتصادية**: ينص قانون العقوبات وقوانين حماية المستهلك والتعامل في النقد الأجنبي على تجريم الدعوات التي تستهدف الإضرار بالاقتصاد الوطني؛ مثل التحريض عبر المنصات على سحب الأموال من البنوك، أو الامتناع الجماعي عن تسليم السلع للأسواق لاحتكارها، أو التحريض على التعامل في سوق العملات الأجنبية الموازية خارج القنوات الرسمية. يُكيف القضاء القصد الجنائي في هذه الجرائم على أنه تعريض للسلامة المالية للدولة للخطر.
- **التحريض على الفسق والفجور**: تستند النيابة العامة في هذا الصدد إلى أحكام القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة، والمواد 269 مكرراً و278 من قانون العقوبات. وقد اتسعت القضايا في السنوات الأخيرة لتشمل ما يُعرف بـ «صُنّاع المحتوى الرقمي»، حيث يُوجه الاتهام بالتحريض على الفسق عند تقديم محتويات مرئية تُحث الجمهور -خاصة القصر- على ارتكاب أفعال منافية للآداب العامة أو الإتجار بالبشر تحت ستار الترفيه.
- **التحريض على تكدير السلم العام**: تنص المادة 102 مكرراً من قانون العقوبات على معاقبة كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو شائعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس. ويتداخل هذا النص بوضوح مع مفهوم التحريض المعنوي، حيث يعمد الفاعل إلى تحريض الجمهور غير المباشر على الذعر أو العصيان عبر نشر معلومات مغلوطة عن الأزمات والصحة العامة والحوادث.
تخضع القضايا المتعلقة بالتحريض لمسار إجرائي دقيق في المنظومة القضائية المصرية، يبدأ من مرحلة رصد الفعل أو تلقي البلاغ، وينتهي بصدور أحكام باتة من المحاكم المختصة:
1. **مرحلة رصد الجريمة والبلاغ**: يبدأ المسار إما ببلاغ يقدمه المتضرر أو الجهات المعنية إلى النيابة العامة، أو من خلال وحدة الرصد والتحليل بإدارة البيان بمكتب النائب العام، أو عبر الرصد الدوري للإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات.
2. **الفحص الفني والتحريات**: تتولى وحدة الفحص الفني محاكاة الرابط الرقمي للمحتوى المحرض، وتوثيق الصور والفيديوهات عبر أجهزة فحص أدلة التزييف والتحريف الإلكتروني، ثم تُحرر «مطبوعات لقطات الشاشة» (Screenshots) ومحاضر التفريغ وتُلحق بتقرير فني يُثبت سلامة المحتوى وعدم التلاعب به بيئياً.
3. **تحقيقات النيابة العامة**: تُباشر النيابة العامة استجواب المتهم، ومواجهته بالأدلة والتقارير الفنية. وتملك النيابة هنا صلاحية إصدار قرارات بالحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات وفقاً للمادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية، متى توافرت أسباب الخوف من هرب المتهم أو الإضرار بمصلحة التحقيق أو منع التأثير على الشهود أو مستخدمي المنصات.
4. **الإحالة والتكييف أمام المحكمة**: تُحيل النيابة العامة الدعوى إلى المحكمة الجنائية المختصة (سواء محاكم الجنايات، أو المحاكم الاقتصادية بحسب تكييف الجريمة وكونها رقمية من عدمه). وتلزم الإدانة أن تقيم المحكمة دليلها على جزم وليس ظن، لإثبات قيام الركن المادي (عبارات التحريض) والركن المعنوي (القصد الجنائي وإرادة إحداث النتيجة الجرمية).