يشهد البحث على جوجل اهتماماً متزايداً بالعلاقات الثنائية بين مصر والصين، في ظل تنامي المشروعات المشتركة وزيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر. يحمل هذا التقارب ابعاداً اقتصادية وقانونية بالغة الأهمية، لاسيما فيما يتعلق باتفاقيات التجارة الدولية، وتسوية المنازعات الاستثمارية، والعقود التجارية العابرة للحدود التي تتطلب صياغة قانونية دقيقة تحمي مصالح الدولة والشركات الوطنية.
تشهد العلاقات الثنائية بين جمهورية مصر العربية وجنوب جمهورية الصين الشعبية مرحلة فارقة من التطور الاستراتيجي الشامل، حيث ارتقى المستوى المؤسسي للشراكة بين البلدين إلى آفاق غير مسبوقة منذ إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014. هذا التحول ليس وليد الصدفة الاقتصادية، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التنسيق الدبلوماسي والثقة المتبادلة، وتجسيد لرغبة مشتركة في إعادة تشكيل نمط التفاعلات الاقتصادية والتجارية بين منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وقارة آسيا. يظهر اهتمام المحللين والمؤسسات البحثية والقانونية بهذا الملف في ظل تزايد وتيرة المشروعات الاستثمارية المشتركة، والتي تعكس تلاقياً في الأهداف التنموية بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية.
إن السياق الجيوسياسي والاقتصادي الحالي يفرض على المؤسسات الوطنية والشركات الاستثمارية فهم الجوانب التشريعية والقانونية التي تؤطر هذا التعاون العابر للحدود. فالعلاقات المصرية الصينية أصبحت نموذجاً للشراكات الجنوب جنوب، حيث تتجاوز التبادلات التجاري التقليدية إلى الاستثمار المباشر في البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، والمشروعات الصناعية الكبرى. وتتجلى أهمية هذا المسار في تزايد الاعتماد المتبادل؛ إذ تُمثل مصر بالنسبة للصين بوابة رئيسية للوصول إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية بفضل اتفاقيات التجارة الحرة التي ترتبط بها القاهرة، مثل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية واتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، بينما تمثل الصين لمصر مصدراً رئيساً للتكنولوجيا، والتمويل، والخبرات الصناعية المتقدمة.
تأتي هذه التحركات متزامنة مع انضمام مصر الرسمي إلى تكتل البريكس، وهو ما أضاف بعداً قانونياً واقتصادياً جديداً للتعاون الثنائي. هذا الانضمام يفتح المجال أمام تفعيل آليات جديدة للتبادل التجاري بالعملات المحلية، ومحاولة تخفيف الضغط على النقد الأجنبي، وتطوير أطر تعاقدية تناسب التغيرات في النظام المالي العالمي. ومن الناحية القانونية، فإن هذا الارتقاء في مستوى الشراكة يستلزم مراجعة شاملة لاتفاقيات تشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات، واتفاقيات منع التكرار الضريبي، لضمان توافق التشريعات المحلية مع متطلبات حركة رؤوس الأموال الضخمة التي تتدفق بين البلدين.
إن القراءة المتعمقة لواقع العلاقات الاقتصادية تعكس وجود رغبة جادة من الجانبين في تدشين مرحلة جديدة من التعاون المؤسسي المستدام. هذا التعاون لا يقتصر على العقود الحكومية فقط، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص في كلا البلدين من خلال المشروعات المشتركة والاستثمارات المباشرة في المناطق الاقتصادية الخاصة. وبناءً على ذلك، يصبح الدور الذي يلعبه القانوني والمستشار التجاري محوريًا في صياغة الأطر التعاقدية التي تحكم هذه العلاقات وتضمن توازن المصالح وحماية الحقوق وصيانة السيادة الاقتصادية لكلتا الدولتين.
تُشكل البيئة التشريعية والقانونية في مصر العمود الفقري لجدب الاستثمارات الصينية المباشرة، حيث حرص المشرع المصري خلال السنوات الأخيرة على تحديث وتحسين القوانين الاقتصادية لتتناسب مع متطلبات الاستثمار العالمي. يبرز قانون الاستثمار المصري رقم 72 لسنة 2017 كحجر زاوية في هذا الإطار، متضمناً ضمانات وحوافز موضوعية وإجرائية تهدف إلى حماية المستثمر الأجنبي وتعزيز مناخ الثقة. تنص المادة الثالثة من قانون الاستثمار على تكفيل الدولة لحماية الاستثمارات وضمان عدم تأميمها أو مصادرتها أو تجميدها إلا بحكم قضائي نهائي، وهو ما يقدم غطاءً قانونياً صلباً للمؤسسات الصينية المملوكة للدولة أو للقطاع الخاص التي تستثمر مبالغ ضخمة في المشروعات القومية.
من أهم الآليات التشريعية التي استقطبت الشركات الصينية العملاقة آلية الرخصة الذهبية المنصوص عليها في المادة 20 من قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017. تُمنح هذه الرخصة بموافقة واحدة من مجلس الوزراء لإقامة المشروع وتشغيله وإدارته وتراخيص البناء وتخصيص العقارات اللازمة له، وتُطبق بشكل خاص على المشروعات الاستراتيجية ومشاريع البنية التحتية والإنتاج الصناعي. ساهمت هذه الرخصة في اختصار الدورة المستندية وتذليل العقبات الإدارية أمام المشروعات الصينية الكبرى، مثل المشروعات المقامة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروعات الطاقة المتجددة، ومصانع الأجهزة الكهربائية والسيارات الكهربائية.
بالإضافة إلى قانون الاستثمار، يلعب قانون المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة رقم 83 لسنة 2002 وتعديلاته دوراً جوهرياً في جذب الاستثمارات الصينية، وخاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. أتاح هذا القانون إنشاء منطقة تيدا الصينية المصرية للتعاون الاقتصادي والتجاري بالسخنة، والتي تُعد نموذجاً ناجحاً للمناطق الصناعية المتكاملة. يقدم التشريع في هذه المناطق تيسيرات جمركية وضريبية وإجراءات خاصة لإدارة المرافق والعمالة، فضلاً عن إتاحة تأسيس الشركات بنظام شباك واحد يتولى إنهاء كافة المعاملات الحكومية، مما يقلل من النزاعات الإدارية ويضمن استقرار المراكز القانونية للمستثمرين الصينيين.
ولم تتوقف المنظومة التشريعية عند الحوافز العامة، بل امتدت لتشمل الاتفاقيات الثنائية المعقودة بين القاهرة وبكين. ترتبط مصر والصين باتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة الموقع عليها بين البلدين، والتي تلزم كل طرف بمعاملة استثمارات الطرف الآخر بمعاملة عادلة ومنصفة، وبما لا يقل عن المعاملة الممنوحة لاستثمارات رعايا الدولة الأفضل رعاية. تضمن هذه الاتفاقية كذلك تحويل الأرباح ورؤوس الأموال للخارج بحرية وبدون تأخير غير مبرر وفقاً للقوانين واللوائح الوطنية، مما يضع إطاراً نظامياً متكاملاً يحمي رأس المال الصيني ويشجع على توسيع نطاق الأعمال في مصر.
تتطلب مشروعات البنية التحتية والتصنيع المشترك بين مصر والصين دقة قانونية فائقة في صياغة العقود التجارية العابرة للحدود، لاسيما أن هذه المشروعات تعتمد على صيغ تعاقدية معقدة مثل عقود الهندسة والتوريد والإنشاء والشراء، وعقود تسليم المفتاح، وشراكات القطاعين العام والخاص. ومن بين أبرز الشواهد الحية على ذلك، المشروع العقاري لمنطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، والذي تنفذه الشركة الصينية للهندسة الإنشاءات الحكومية. تثير هذه النموذجية التعاقدية مسائل قانونية دقيقة تتصل بتحديد الالتزامات والتوزان المالي للعقد، وتوزيع المخاطر التشغيلية والبيئية، وضوابط التأخير والإنجاز.
تأخذ مسألة نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة موقع الصدارة في الأجندة التشريعية المصرية عند التعاقد مع الشركاء الصينيين. يعالج قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999 في المواد من 73 إلى 87 نظام عقد نقل التكنولوجيا، واضعاً أحكاماً آمرة تهدف إلى حماية الطرف المستورد للتكنولوجيا وضمان حصوله على التكنولوجيا المستهدفة بشروط عادلة. تشترط هذه القواعد صياغة واضحة لالتزامات المورد الصيني فيما يتعلق بالدعم الفني، وتدريب الكوادر المحلية، وتقديم الصيانة وقطع الغيار، وضمان السلامة البيئية للتكنولوجيا المنقولة، ومراعاة عدم فرض شروط تقييدية تكبل حق الطرف المصري في تطوير التكنولوجيا أو استخدامها مستقبلاً.
على صعيد علاقات العمل والعمالة، ينبغي للعقود المبرمة مع الشركات الصينية أن تراعي بصرامة قواعد التشغيل المنصوص عليها في قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 والقرارات الوزارية المنفذة له. يشترط القانون المصري نسباً محددة من العمالة الوطنية في المشروعات الاستثمارية لا تقل في الأصل عن تسعين بالمائة من إجمالي حجم العمالة، مع منح استثناءات محدودة ومؤقتة للخبراء والفنيين الأجانب المقترنين بنقل التكنولوجيا والتدريب. ويتطلب هذا التوازُن صياغة بند العمالة في العقود بكفاءة تمنع نشوء أي نزاعات عمالية قد تؤثر على الجدول الزمني للمشروع أو تؤدي إلى عقوبات إدارية وقضائية على الشركات المنفذة.
تكتسب العقود المستندة إلى النماذج الدولية القياسية، كعقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين فيديك، أهمية خاصة في التوافق بين الشركات الصينية والجهات المصرية. إلا أن التطبيق القانوني لهذه النماذج يتطلب تعديلات وملاءمات موضوعية لتسريع التوافق مع النظام العام المصري والقوانين ذات الصلة مثل قانون المناقصات والمزايدات أو قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة رقم 182 لسنة 2018. تضمن هذه الملاءمة صياغة شروط التفاوض وإعادة التوازن المالي للعقد عند وقوع ظروف طارئة أو القوة القاهرة، مما يحمي طرفي العقد من الاضطرابات الاقتصادية المفاجئة أو التغيرات في أسعار المواد الخام ومعدلات الفائدة.
تُمثل تسوية المنازعات الاستثمارية والتجارية إحدى أكثر الركائز حساسيات في العلاقات الاقتصادية الدولية، حيث يفضل المستثمرون الصينيون والشركاء المصريون وجود آليات موجزة وحاسمة ومكفولة الإنفاذ لحل أي خلافات قد تنشأ عن تفسير أو تنفيذ العقود العابرة للحدود. يُعتبر قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية المصري رقم 27 لسنة 1994 المنظّم الرئيس للعملية التحكيمية في مصر، وهو قانون استمد أحكامه الأساسية من القانون النموذجي للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي الأونسيترال، مما يوفر بيئة تحكيمية متطورة تلبي معايير العدالة الناجزة والتخصص.
في مجال منازعات الاستثمار بين المستثمر الصيني والدولة المصرية، تلعب المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار إكسيد التابع للبنك الدولي دوراً بارزاً بفضل انضمام مصر والصين إلى اتفاقية واشنطن لعام 1965. كما تتيح الاتفاقية الثنائية لحماية وتجشيع الاستثمار بين البلدين آليات للجوء إلى التحكيم الحر أو التحكيم المؤسسي. تقتضي الدقة القانونية في هذا الصدد الاهتمام بالشرط المانع للتحكيم وصياغة شرط التنسيق المسبق بين المفاوضات الودية والوساطة واللجوء للتحكيم، لتجنب الدفوع بعدم القبول أو بطلان شرط التحكيم بسبب عدم استيفاء الشروط الشكلية والموضوعية.
وعلى مستوى التحكيم التجاري الخاص، يبرز مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي كأحد أهم المراكز التحكيمية في المنطقة المفضلة للشركات المصرية والصينية لتسوية منازعاتها، ناهيك عن اختيار مركز الصين الدولي للتحكيم الاقتصادي والتجاري سيتاك في بعض العقود المبرمة بين الجانبين. يرجع الفضل في مرونة التحكيم التجاري إلى المبدأ الاستقلالي لشرط التحكيم وع حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق على الموضوع والقانون الواجب التطبيق على الإجراءات، فضلاً عن اختيار مكان التحكيم ولغته.
أما فيما يتعلق بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية أو الصادرة ضد أشخاص القانون العام والخاص، فإن مصر تُعد من الدول الموقعة على اتفاقية نيويورك لعام 1958 الخاصة باعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية. يلتزم القضاء المصري وفق المادة الخامسة من الاتفاقية والمواد المتعلقة بقانون المرافعات والتحكيم بتنفيذ الأحكام الأجنبية الصادرة في الصين متى استوفت الشروط ولم تخالف النظام العام المصري. يضمن هذا الإطار الإجرائي للمستثمر الصيني والشريك المصري إمكانية اقتضاء حقوقهما القضائية بفاعلية، وهو ما يعزز من الملاءة الأمانية للاستثمارات ويبدد المخاوف الشكوكية المرتبطة بالمخاطر القضائية.
يتجلى الأثر الاقتصادي الشامل للشراكة المصرية الصينية في تنوع القطاعات التنموية التي تستهدفها المشروعات المشتركة، إذ لم تعد الاستثمارات تقتصر على قطاعات التشييد والمقاولات بل امتدت لتشمل القطاعات التكنولوجية والصناعية والطاقة المتجددة. أسهم الانخراط الصيني في مشروعات النقل الذكي، مثل مشروع القطار الكهربائي خفيف الحركة الذي يربط القاهرة الكبرى بالعاصمة الإدارية والمناطق الصناعية، في إحداث نقلة نوعية في منظومة النقل والمواصلات، مدعومة بنقل الخبرات الإدارية والفنية للكوادر المصرية الهندسية والفنية.
في قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، تقدم الشركات الصينية مساهمات مشهودة في دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر في مصر. تُمثل مجمعات الطاقة الشمسية في بنبان بأسوان ومشاريع طاقة الرياح بخليج السويس نماذج واقعية للتعاون الفني والمالي. تدعم هذه المشاريع التزامات مصر الدولية بموجب اتفاقية باريس للمناخ، وتساعد في تحقيق استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة. ومن الناحية القانونية، تخضع هذه المشروعات لعقود شراء الطاقة طويلة الأجل والمعروفة باتفاقيات بيع الكهرباء، التي تنظم العلاقة بين الشركة المصرية لنقل الكهرباء والشركات المتخصصة وتضمن الاستقرار السعري والتوزان الاقتصادي للمشاريع.
علاوة على ذلك، أدت الشراكة الاقتصادية إلى إحداث أثر اجتماعي ملموس من خلال خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للشباب المصري، وتوفير برامج تدريبية متقدمة في مجالات التصنيع والبرمجيات وإدارة المشروعات. تم إنشاء العديد من معاهد التكنولوجيا والتطبيق المهني المشترك، مما أسهم في رفع كفاءة العمالة المحلية وتأهيلها لمتطلبات سوق العمل الحديث. يعزز هذا البعد الاجتماعي من الحماية المجتمعية للمشاريع الصينية ويجعلها جزءاً متكاملاً من النسيج الاقتصادي المحلي وليس مجرد استثمارات معزولة.
وفي السياق التجاري والمصرفي، فإن التوسع في اتفاقيات تبادل العملات المحلية بين البنك المركزي المصري ونظيره الصيني يُمثل خطوة استراتيجية نحو تخفيف الضغط على العملات الأجنبية الرئيسية وتقليل تكلفة التبادل التجاري. يفتح هذا التوجه الباب أمام تفعيل آليات تمويلية مبتكرة مثل إصدار سندات الباندا الصينية المقومة باليونان، واستخدامها في تمويل مشروعات التنمية المستدامة في مصر. يحتاج هذا التحول المصرفي إلى مواكبة تشريعية وإجرائية من السلطات النقدية والمصرفية لضمان سلاسة المعاملات المالية وحماية البنوك والمتعاملين من مخاطر تغير أسعار الصرف.
تتجه أنظار الخبراء والمستشارين القانونيين نحو مستقبل الشراكة المصرية الصينية للوقوف على التحديات والفرص المرتقبة، خاصة في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي والتكتلات الدولية الجديدة كجماعة البريكس. يطرح هذا الواقع المستقبلي عدداً من التساؤلات القانونية والتجارية الشائعة بين أوساط رجال الأعمال والمستثمرين الصينيين والمصريين. ترتكز أكثر هذه الأسئلة تكراراً حول النظام القانوني لتملك وتأجير الأراضي للمستثمرين الأجانب في مصر، لا سيما في المناطق الاستراتيجية كشبه جزيرة سيناء والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
تتحدد الإجابة القانونية بأن التشريعات المصرية، مثل المرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012 بشأن التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء، تمنع تملك الأجانب للأراضي والمقارات فيها، وتستعيض عن ذلك بنظام حق الانتفاع بشروط وضوابط محددة ولمدد معينة قابلة للتجديد وفقاً لموافقة الجهات المعنية ورئاسة الوزراء. أما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإن قانون رقم 83 لسنة 2002 يتيح للمستثمر الأجنبي الحصول على حق الانتفاع لفترات طويلة تصل إلى 50 عاماً قابلة للتجديد، وهو نظام يوفر استقراراً عقارياً كافياً لإقامة المشروعات الصناعية الكبرى دون المسااس بحظر تملك الأجانب للأراضي في المناطق الحدودية.
ومن التساؤلات الجوهرية الأخرى ما يتعلق بكيفية التعامل مع قانون حماية البيانات الشخصية المصري رقم 151 لسنة 2020 وتأثيره على شركات التكنولوجيا والاتصالات الصينية العاملة في مصر مثل هواوي وشاومي. يفرض التشريع المصري أحكاماً حازمة بشأن المعالجة والتخزين ونقل البيانات الشخصية للمواطنين خارج البلاد، مما يتطلب من هذه الشركات توفيق أوضاعها التعاقدية والتقنية، والحصول على التراخيص والتصاريح اللازمة لنقل البيانات عبر الحدود، وإنشاء مراكز بيانات محليّة داخل مصر لضمان الامتثال التام للقانون وتجنب العقوبات الجنائية والإدارية.
تتوقف آفاق التعاون في المرحلة القادمة على مدى قدرة الجانبين على استحدث أطر تعاقدية مرنة تستوعب المتغيرات الماليّة والدولية. يوصى الخبراء بضرورة دعم مكاتب الاستشارات القانونية الوطنية بالخبرات المتخصصة في القانون الصيني والتحكيم الآسيوي، وتطوير صياغات نموذجية للعقود التجارية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية التشريعات المصرية والصينية. إن الاستمرار في تحديث المنظومة التشريعية، وتسهيل إجراءات التقاضي والتحكيم، وتفعيل الشباك الواحد بشكل كامل، سيعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي ولوجستي محوري للاستثمارات الصينية نحو إفريقيا وأوروبا.
يشهد قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر نقلة نوعية في الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين، حيث تتقاطع الرؤى المستقبلية للبلدين نحو تحقيق التنمية المستدامة والتحول البيئي. تمتلك مصر مقومات طبيعية هائلة تؤهلها لتصبح مركزاً إقليمياً وعالمياً لإنتاج الهيدروجين الأخضر، مدعومة بموقع جغرافي فريد وإمكانيات ضخمة في طاقة الرياح والشمس. وفي المقابل، تمتلك الشركات الصينية ريادة عالمية وتكنولوجيا متقدمة في صناعة الألواح الشمسية وتوربينات الرياح ومعدات التحليل الكهربائي. هذا التكامل يفتح باباً واسعاً أمام استثمارات صينية ضخمة في المنطقة الاقتصادية لحناة السويس، حيث تم توقيع العديد من الاتفاقيات الإطارية والعقود التنفيدية بين تحالفات صينية وجهات مصرية لإنشاء مشروعات عملاقة لإنتاج الوقود الأخضر وتصديره إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. ولا يقتصر هذا التعاون على الإنتاج فحسب، بل يمتد ليشمل نقل وتوطين تكنولوجيا التصنيع الحديثة للأنظمة البيئية، وتدريب الكادر البشري المصري على أحدث التقنيات الهندسية المرتبطة بإدارة وتطوير شبكات الطاقة الذكية، مما يضمن خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري وتوفير آلاف فرص العمل للشباب المتخصصين في مجالات الطاقة النظيفة.
مع تسارع وتيرة التوسع العمراني في مصر، خصوصاً عبر تدشين المدن الذكية الجديدة مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة الجلالة والعالمين الجديدة، برزت الصين كشريك استراتيجي فاعل في تقديم حلول التخطيط العمراني الذكي والمستدام. تجسد ذلك بوضوح في تنفيذ حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية بواسطة شركة 'تسايتشينغ' الصينية، والذي يُعد نموذجاً حيّاً للمباني الخضراء الموفرة للطاقة والمعتمدة على نظم الإدارة الرقمية والذكاء الاصطناعي في مراقبة استهلاك المرافق. يتجاوز التعاون في هذا المجال حدود التشييد والبناء ليشمل دمج مفاهيم الاستدامة البيئية، وإدارة النفايات الذكية، والنقل الجماعي الأخضر الصديق للبيئة. كما يسهم الشركاء الصينيون في إدخال تقنيات البناء الحديثة التي تقلل من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن صناعة الأسمنت والحديد، وتتبنى معايير كفاءة الطاقة في التصميم المعماري. هذا التوجه لا يعزز فقط من كفاءة البنية التحتية للمدن المصرية، بل يضع معايير جديدة للتنمية العمرانية المستدامة في القارة الأفريقية، مستفيداً من التجربة الصينية الرائدة في بناء المدن الذكية ومكافحة التلوث الحضري.
في ظل التحول الرقمي السريع الذي تشهده الدولة المصرية والتوجه نحو بناء مجتمع معلوماتي متكامل، بات التعاون في مجال الأمن السيبراني وتأمين البنية التحتية الرقمية ضرورة ملحة لاستمرار التنمية الاقتصادية. تتبادل مصر والصين الخبرات والاستراتيجيات لمواجهة التحديات التكنولوجية المتنامية والتهديدات السيبرانية التي تستهدف شبكات الاتصالات الحيوية والأنظمة المالية والمؤسسات الحكومية. يتضمن هذا التعاون برامج تدريب مشتركة وبناء القدرات الفنية للكوادر المصرية الشابة في مجالات تشفير البيانات، وحماية السحابة الإلكترونية، وتطوير نظم الدفاع الرقمي. كما تعمل الشركات التكنولوجية الكبرى في البلدين على استكشاف فرص الاستثمار المشترك في مراكز البيانات الضخمة، وتطوير شبكات الجيل الخامس (5G) وما بعدها، بما يضمن توفير بيئة رقمية آمنة وجاذبة للاستثمارات الأجنبية. إن تعزيز الشراكة الرقمية يساهم في ترسيخ مكانة مصر كبوابة رقمية تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مستفيدة من التقنيات الصينية المتقدمة في مجالات الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء.
تتمتع مصر بعلاقات تاريخية واستراتيجية عميقة مع دول القارة الأفريقية، بينما تسعى الصين عبر مبادرة 'الحزام والطريق' إلى تعزيز الشراكة والروابط الاقتصادية مع مختلف دول القارة. يفتح هذا التقاطع أفقاً واسعاً أمام نموذج واعد من التعاون الثلاثي، حيث يمكن لمصر والصين توحيد الجهود والإمكانات لتنفيذ مشروعات تنموية كبرى داخل الدول الأفريقية. تمتلك مصر فهماً عميقاً لطبيعة الأسواق الأفريقية، والاحتياجات التنموية، والتعقيدات الثقافية والسياسية للقارة، في حين تمتلك الصين القدرات المالية والتمويلية الهائلة والخبرة الواسعة في إنشاء البنية التحتية من طرق وموانئ وسدود ومحطات طاقة. يمكن استثمار هذه المزايا التنافسية في مجالات مثل الأمن الغذائي، والتصنيع الزراعي، والربط التجاري، والنقل البري والبحري، مما يسهم في دفع عجلة التنمية في القارة السمراء وتحقيق أهداف أجندة أفريقيا 2063. هذا التعاون الثلاثي لا يعزز فقط من النفوذ الاقتصادي للبلدين، بل يرسخ دور مصر كقاطرة حقيقية للتنمية في جوارها الأفريقي، ويضمن توزيع ثمار التنمية بشكل عادل ومستدام.