أدى الانفجار الرقمي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وواتساب، وإنستغرام، وتيك توك، ومنصة إكس إلى تحول جذري في أنماط التواصل البشري؛ غير أن هذا الفضاء الافتراضي لم يعد ساحة للتعبير الحر فحسب، بل تحول في كثير من الأحيان إلى بيئة خصبة لانتهاك الأعراض، واغتيال السمعة، والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة. يستعرض هذا الدليل القانوني الشامل الإطار التشريعي المصري الحاكم لجرائم السب، والقذف، والتشهير الإلكتروني عبر تفكيك نصوص قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، لتقديم رؤية متعمقة تدمج بين النصوص التشريعية، وأحكام محكمة النقض، والتطبيقات القضائية العملية، والمسارات الإجرائية لردع المعتدين وصون الحقوق المدنية والجنائية.
القسم الأول: التأصيل القانوني والفروق الجوهرية بين السب والقذف والتشهير في التشريع المصري
يقوم البنيان القانوني لجرائم الاعتداء على الشرف والاعتبار في النظام القضائي المصري على التمييز الدقيق بين ثلاثة مصطلحات شائعة الخلط: القذف، والسب، والتشهير. لا يُعد هذا التمييز مجرد تفرقة لغوية، بل هو تكييف جنائي تنبني عليه أركان الجريمة، ونوع العقوبة، وتحديد المحكمة المختصة.
1. جريمة القذف (Defamation / Slander): عرفت المادة 302 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 القذف بأنه إسناد واقعة معينة إلى شخص ما، إذا صحت هذه الواقعة لأوجبت عقاب المنسوبة إليه بالعقوبات المقررة قانوناً، أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه. ويتطلب القذف ركنين جوهريين:
- الركن المادي: يتمثل في فعل الإسناد لواقعة مشخصة محددة المعالم (مثل اتهام شخص صراحة بالاختلاس، أو الرشوة، أو الخيانة الزوجية، أو التزوير).
- الركن المعنوي: وهو القصد الجنائي العام بعلم الجاني بأن الواقعة من شأنها حط قدر المجني عليه، واتجاه إرادته لنشرها وإشاعتها.
- عنصر العلانية: وفق المادة 171 من قانون العقوبات، وتتحقق العلانية رقمياً بنشر العبارات على صفحات عامة، أو مجموعات مفتوحة، أو مقاطع فيديو متداولة.
2. جريمة السب (Insult / Abuse): وفقاً لنص المادة 306 من قانون العقوبات المصري، فإن السب هو كل إلصاق لعين أو وصف شائن يمس كرامة الشخص أو يخدش شرفه واعتباره دون أن يتضمن إسناد واقعة معينة محددة. فالسب هو تجريح ونعت بالألفاظ الحاطة من الكرامة (مثل نعت شخص بأنه لص، أو فاسق، أو غبي، أو عديم الشرف) دون سرد قصة أو واقعة اختلاس أو احتيال بعينها.
3. التشهير (Public Libel / Discredit): التشهير ليس وصفاً منفرداً في قانون العقوبات الكلاسيكي، بل هو الأثر المترتب على إذاعة ونشر القذف أو السب على نطاق واسع بقصد الإضرار بالمركز الاجتماعي أو المهني أو التجاري للضحية. وقد تبنى المشرع هذا المفهوم بصورة صريحة وجرمه باستقلالية بموجب القوانين التكنولوجية الحديثة كجريمة مساس بالحياة الخاصة والنظام العام.
قاعدة التفرقة الجوهرية: إذا كتب شخص عبر فيسبوك: "فلان اختلس مبلغ 50 ألف جنيه من الشركة يوم الأحد الماضي" فهذا قذف؛ لأنه أسند واقعة محددة تستوجب العقاب. أما إذا كتب: "فلان إنسان سارق وعديم الأمانة" دون تفاصيل، فهذا سب. وكلا الفعلين إذا نُشرا علناً عبر الإنترنت يشكلان جريمة تشهير وانتهاك لحرمة الحياة الخاصة.
أمثلة عملية واقعية من المحاكم المصرية:
- حالة عملية 1 (قذف إلكتروني عبر مجموعات فيسبوك): قيام عضو بنشر منشور داخل مجموعة سكنية خاصة بمنطقة التجمع الخامس، اتهم فيه رئيس اتحاد الشاغلين بالاستيلاء على أموال صيانة العقارات وتحويلها لحسابه البنكي الشخصي مدعماً منشوره ببيانات غير صحيحة. قضت المحكمة بتوافر أركان جريمة القذف العلني لكون الواقعة محددة وتستوجب عقاب المجني عليه لو صحت.
- حالة عملية 2 (سب علني عبر تعليقات تيك توك): قيام أحد المتابعين بسب صانع محتوى عبر كتابة تعليقات متتالية تتضمن شتائم وألفاظ نابية تمس والدته وعائلته. تم تكييف الواقعة كجريمة سب علني مكتملة الأركان وفق المادتين 306 و171 عقوبات.
القسم الثاني: القانون رقم 175 لسنة 2018 (مكافحة جرائم تقنية المعلومات) والتحول في التوصيف الجنائي
مثّل صدور القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات (المعروف إعلامياً بقانون جرائم الإنترنت) نقلة نوعية وتاريخية في التشريع المصري؛ حيث لم تعد نصوص قانون العقوبات التقليدية كافية لملاحقة الجرائم السيبرانية متناهية الدقة والسرعة. أحدث هذا القانون تحولاً جذرياً في فلسفة التجريم والعقاب، وخلق مظلة حمائية صارمة للقيم الأسرية والحياة الخاصة.
أبرز المواد الحاكمة للسب والقذف والتشهير في القانون 175 لسنة 2018 هي:
1. المادة 25 (الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمبادئ الأسرية): تنص صراحة على أن: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة".
2. المادة 26 (اصطناع وتلفيق المحتوى الرقمي للتشهير): تنص على تغليظ العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه لكل من تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة أو تركيب أو تعديل تسجيل أو صورة أو مشهد، لإلصاقها بشخص والتشهير به والمساس بشرفه أو اعتباره.
3. المادة 27 (استخدام الحسابات والمواقع لارتكاب الجرائم): تنص على معاقبة كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعاً أو حساباً خاصاً على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه.
أهمية المادة 25: نص المادة 25 جعل نشر الأخبار أو الصور الخاصة جريمة معاقب عليها حتى لو كانت المعلومات المنشورة صحيحة وصادقة؛ فالقانون يحمي "الخصوصية" لذاتها، وبالتالي لا يستطيع المتهم التذرع بأنه قال الحقيقة للتنصل من المسؤولية الجنائية.
الفرق بين الرسائل الخاصة (واتساب/ماسنجر) والمنشورات العامة (العلانية):
- الرسائل الخاصة المباشرة (Direct Messages): إذا وجه شخص سباً أو قذفاً لشخص آخر عبر محادثة خاصة مغلقة (واتساب مثلاً)، تنتفي هنا "العلانية" المشترطة في المادة 171 عقوبات، لكن يقع الفعل تحت طائلة المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 (جريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات)، وكذلك المادة 308 مكرر عقوبات (السب بطريق الهاتف)، والمادة 25 من قانون 175 لسنة 2018.
- المنشورات العامة والمجموعات (Public Posts & Groups): تتوافر فيها العلانية المطلقة بمجرد تمكين أكثر من شخص من الاطلاع على المنشور أو المقطع، وهنا تطبق نصوص قانون العقوبات ممتزجة مع المادتين 25 و27 من قانون جرائم تقنية المعلومات، وتكون العقوبة أشد جسامة.
أمثلة عملية واقعية:
- حالة التشهير العائلي وانتقام الطلاق: قيام مطلق بنشر صور شخصية لطليقته كانت قد أرسلتها له أثناء قيام الزوجية، مع كتابة عبارات مسيئة على صفحة عامة بفيسبوك. تم تطبيق المادة 25 و26 من القانون 175 لسنة 2018 وصدر ضده حكم بالحبس سنتين مع الشغل وغرامة 100 ألف جنيه لتوافر القصد الجنائي في انتهاك الخصوصية والتشهير.
- حالة مجموعات "البلاك ليست" (Blacklists): إنشاء مجموعة واتساب أو صفحة فيسبوك للتشهير بأطباء أو محامين أو أصحاب مهن معينة تحت دعوى كشف المحتالين؛ تم تكييفها جنائياً كجريمة إدارة موقع إلكتروني لارتكاب جرائم القذف والاعتداء على البيانات الشخصية وفق المادة 27 من القانون 175 لسنة 2018.
القسم الثالث: خريطة العقوبات الجنائية والغرامات المالية والظروف المشددة
تتدرج العقوبات المقررة لجرائم السب والقذف والتشهير الإلكتروني في المنظومة العقابية المصرية ما بين الحبس، والسجن، والغرامات المالية الضخمة، بحسب صفة المجني عليه، والوسيلة المستخدمة، ومحتوى العبارات المنشورة.
1. العقوبات المقررة في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته:
- عقوبة القذف المجرد (المادة 303): الحبس مدة لا تجاوز سنة وغرامة لا تقل عن 2,500 جنيه ولا تزيد على 7,500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
- عقوبة السب المجرد (المادة 306): الحبس مدة لا تجاوز سنة وغرامة لا تقل عن 1,000 جنيه ولا تزيد على 5,000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
- السب والقذف ضد موظف عام أو مكلف بخدمة عامة (المادة 303 فقرة 2 والمادة 306): إذا كان القذف أو السب موجهاً لموظف عام بسبب أداء وظيفته أو لصفته النيابية، تُغلظ الغرامة لتصل إلى 15,000 جنيه كحد أقصى مع جواز الحكم بالحبس.
- الطعن في الأعراض وخدش سمعة العائلات (المادة 308): إذا تضمن القذف أو السب طعناً في عرض الأفراد أو خدشاً لسمعة العائلات، تكون العقوبة الحبس وجوباً مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 5,000 جنيه ولا تزيد على 10,000 جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين.
2. العقوبات المطبقة بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018:
- الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية بين 50,000 جنيه و100,000 جنيه لكل من اعتدى على المبادئ الأسرية أو انتهك حرمة الحياة الخاصة (المادة 25).
- الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة بين 100,000 جنيه و300,000 جنيه في حال استخدام تقنيات معالجة البيانات وتلفيق الصور والمشاهد للتشهير (المادة 26).
- مصادرة الأجهزة والبرامج والمعدات المستخدمة في الجريمة، وغلق الموقع أو الحساب الإلكتروني بحكم قضائي بات (المادة 38 من القانون).
3. العقوبات وفق قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003:
- المادة 76: الحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تجاوز 20,000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من تعمد إزعاج أو مضايقة غيره بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات (وتشمل رسائل واتساب، وتيليجرام، والمكالمات عبر الإنترنت).
الظروف المشددة في القانون المصري: تشتد العقوبة وتتحول الجريمة إلى جناية أو جنحة مشددة في حالات محددة: إذا اقترن التشهير بابتزاز مالي أو جنسي (المادة 327 عقوبات وتصل عقوبتها للسجن 5 أو 15 سنة)، أو إذا كان المجني عليه طفلاً أو امرأة مع وجود دلالات تحرش وتلميحات إباحية (المادة 306 مكرر أ و ب عقوبات، الحبس حتى 5 سنوات وغرامة تصل إلى 300,000 جنيه).
أمثلة عملية على الأحكام المشددة:
- قضية فبركة الصور والابتزاز الإلكتروني: قيام شاب بتركيب وجه فتاة على صور مخلة ونشرها على فيسبوك بعد رفضها الزواج منه، مطالباً إياها بمبالغ مالية لحذفها؛ صدر الحكم بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة 5 سنوات لمساسه بحرمة الحياة الخاصة واقتران التشهير بجناية الابتزاز وفق المادة 327 عقوبات والمادة 26 من القانون 175 لسنة 2018.
- قضية التشهير بموظف عام (طبيب بمستشفى حكومي): قام مواطن بتصوير طبيب أثناء عمله ونشر الفيديو مصحوباً باتهامه بتعمد الإهمال والرشوة دون دليل؛ قضت المحكمة الاقتصادية بحبسه سنة وتغريمه 100 ألف جنيه لإساءة استخدام وسائل الاتصال والتشهير بموظف عام أثناء تأدية عمله.
القسم الرابع: الإجراءات العملية والقضائية لتحرير المحضر وتوثيق الدليل الرقمي
يتطلب تحريك الدعوى الجنائية في جرائم الإنترنت اتباع بروتوكول قانوني وإجرائي بالغ الصرامة لضمان قبول الدعوى وعدم ضياع الحقوق بسبب أخطاء شكلية، وأهمها قيد الميعاد الإجرائي وضوابط توثيق الأدلة الإلكترونية.
1. قيد الميعاد الحاسم (المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950):
تنص المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية في جرائم السب والقذف والجرائم المنصوص عليها في المواد 303، 306، 308 إلا بناءً على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص (بتوكيل خاص لاحق على الجريمة أو محدد به الواقعة تحديداً نافياً للجهالة)، ويسقط الحق في تقديم الشكوى بعد مضي ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها. فوات هذا الميعاد يسقط الحق في التقاضي الجنائي حتماً وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها لنظامه العام.
2. خطوات توثيق الدليل الرقمي (Digital Evidence Preservation):
- أخذ لقطات شاشة كاملة (Screenshots): تصوير المنشور أو الرسائل المسيئة مع إظهار تاريخ وتوقيت النشر بوضوح تام، واسم الصفحة أو الحساب المسيء.
- نسخ الرابط التعريفي المباشر (Direct URL): نسخ رابط المنشور ورابط الحساب الشخصي للمشكو في حقه (Profile Link و Post ID)؛ لأن الحسابات قد تغير أسماءها المستعارة لكن الرابط الرقمي الفريد يظل ثابتاً في قواعد بيانات الخوادم.
- تسجيل الشاشة بالفيديو (Screen Recording): فتح الحساب والتمرير داخله بالفيديو لتوثيق أن المحتوى موجود فعلياً على التطبيق وليس مجرد صورة معدلة ببرامج تعديل الصور (Photoshop).
- عدم حذف المحادثة: تجنب عمل حظر (Block) أو مسح للدردشة على واتساب أو ماسنجر، لكي يتمكن الخبير الفني من فحص الهاتف ومطابقته.
3. المسار الإجرائي داخل الجهات المختصة:
- التوجه إلى الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات (مباحث الإنترنت): الحضور بشخص المجني عليه أو وكيله الخاص بتوكيل مخصص للسب والقذف، إما بالمقر الرئيسي بميدان العباسية بالقاهرة، أو بأقسام تكنولوجيا المعلومات بمديريات الأمن في كافة المحافظات.
- تحرير المحضر والفحص الفني المباشر: يمثل الشاكي أمام الضابط والمهندس الفني المختص، ويقوم بتسليم هاتفه لإجراء فحص وتفريغ رقمي فوري، وإثبات الروابط، وإعداد ما يسمى "تقرير الفحص الفني والمضاهاة".
- تحديد البصمة الرقمية وبيانات مرتكب الجريمة: تقوم المباحث الفنية بمخاطبة شركات الاتصالات المصرية (عبر الـ IP Address وتاريخ الولوج) لتحديد صاحب الشريحة أو الخط الأرضي المستخدم في ارتكاب الواقعة، حتى لو كان الحساب بفيسبوك يحمل اسماً مستعاراً أو وهمياً (Fake Account).
- إحالة المحضر للنيابة العامة: يُرسل المحضر بعد استيفاء التقرير الفني إلى نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال أو النيابة الجزئية المختصة لمباشرة التحقيق وسماع الأقوال واستدعاء المتهم.
نصيحة إجرائية حاسمة: التوكيل العام في القضايا لا يخول المحامي تقديم بلاغات السب والقذف، إذ تشترط المادة 3 إجراءات جنائية صدور "توكيل خاص" ينص فيه صراحة على حق تقديم شكوى سب وقذف ضد شخص محدد أو عن واقعة محددة، وإلا حُكم بعدم قبول الدعوى شكلاً لرفعها من غير ذي صفة.
أمثلة عملية وتطبيقية:
- حالة الدفع بفوات ميعاد الثلاثة أشهر: تقدم مواطن ببلاغ سب وقذف ضد جاره بعد 4 أشهر من نشر تعليق مسيء، وقدم ما يفيد أنه شاهد التعليق يوم نشره وتفاعل معه؛ دفع محامي المتهم بسقوط الحق في الشكوى بموجب المادة 3 إجراءات جنائية، وقضت المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بسقوط الحق في الشكوى.
- حالة كشف حساب مستعار: شخص أنشأ حساباً وهمياً يحمل اسم فتاة لنشر شتائم ضد مديره في العمل؛ تمكن الفحص الفني بمباحث الإنترنت من تتبع الـ IP ورقم الـ IMEI للهاتف وتبين أنه هاتف الموظف نفسه، وصدر ضده حكم الإدانة استناداً للدليل الرقمي القطعي.
القسم الخامس: المحكمة المختصة وإجراءات التقاضي والتعويض المدني
يثور دائماً تساؤل قضائي دقيق حول المحكمة ذات الولاية بنظر جرائم السب والقذف الإلكتروني، هل هي محاكم الجنح العادية التابعة لقانون العقوبات أم المحاكم الاقتصادية؟
1. الاختصاص النوعي للمحاكم الاقتصادية:
وفقاً لنص المادة 4 من القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية والمعدل بالقانون رقم 146 لسنة 2019، تختص الدوائر الجنائية بالمحاكم الاقتصادية (جنح ومستأنف وجنايات اقتصادية) بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن تطبيق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003. ولما كانت أغلب جرائم السب والقذف تتم عبر وسائط اتصالية وتقنية، فإن المحكمة الاقتصادية هي صاحبة الاختصاص الأصيل بنظر هذه القضايا متى اقترنت الجريمة بإساءة استعمال الاتصالات أو انتهاك حرمة الخصوصية الرقمية.
2. الادعاء المدني والمطالبة بالتعويض المالي:
لا تتوقف العدالة عند مجرد حبس أو تغريم الجاني، بل يحق للضحية جبر الضرر عبر الدعوى المدنية التابعة؛ حيث تنص المادة 163 من القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 على أن: "كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".
- الادعاء المدني المؤقت: يقوم المجني عليه أو محاميه بالادعاء مدنياً أمام محكمة الجنح الاقتصادية بمبلغ مؤقت (مثلاً: 10,001 جنيه أو 40,001 جنيه) على سبيل التعويض المدني المؤقت أثناء نظر الدعوى الجنائية لإثبات حقه في التعويض.
- عناصر الضرر الموجبة للتعويض:
- الضرر المادي: كفقدان المجني عليه لوظيفته أو فسخ عقود تجارية معه نتيجة التشهير وتشويه سمعته التجارية.
- الضرر الأدبي (المعنوي): الألم النفسي، والحزن، والشعور بالإهانة، والنيل من المكانة الاجتماعية بين الأهل وزملاء العمل، وهو ما تقدره المحكمة بمبالغ قد تصل لمئات الآلاف من الجنيهات.
- الدعوى المدنية الاستقلالية: بعد صدور حكم جنائي بات بالإدانة، يرفع المجني عليه دعوى تعويض مدني نهائية أمام المحكمة المدنية المختصة استناداً لحجية الحكم الجنائي البات في إثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
مبدأ حجية الجنائي على المدني: بمجرد صدور حكم جنائي نهائي بثبوت إدانة المتهم بالسب والقذف، يصبح هذا الحكم حجة قاطعة أمام القاضي المدني في ثبوت ركن "الخطأ"، وتقتصر مهمة المحكمة المدنية على تقدير حجم "الضرر" وقيمة التعويض المالي الجابر له.
أمثلة عملية وقضائية:
- حكم تعويض لصالح سيدة أعمال: بعد إدانة أحد المنافسين بالحبس سنة لإنشائه حملة تشهير ممولة ضد شركتها عبر فيسبوك؛ رفعت دعوى تعويض مدني وقضت المحكمة المدنية بإلزام المتهم بدفع تعويض مالي قدره 500,000 جنيه مصري جبراً للأضرار المادية والأدبية التي لحقت بعلامتها التجارية.
- قضية إحالة لعدم الاختصاص: رفع محامٍ جنحة سب وقذف مباشرة أمام محكمة جنح بولاق الدكرور العادية عن عبارات نُشرت بتطبيق واتساب؛ قضت المحكمة بعدم اختصاصها نوعياً وإحالة الدعوى للنيابة العامة لإحالتها للمحكمة الاقتصادية المختصة تطبيقاً لقانون الاتصالات.
القسم السادس: استراتيجيات الدفاع، أسباب الإباحة، وسقوط الدعوى الجنائية
كما منح القانون للمجني عليه حق الشكوى، كفل للمتهم ضمانات الدفاع والحماية من الدعاوى الكيدية والتلفيق، استناداً إلى أسباب إباحة قانونية ومبادئ دستورية تقرر حرية الرأي والتعبير المشروع.
1. التفرقة بين النقد المباح والسب المجرم (حق النقد - Right of Criticism):
استقرت أحكام محكمة النقض المصرية على أن حق النقد وإبداء الرأي في التصرفات العامة مباح بشرط توافر ثلاثة عناصر تسمى بـ "عناصر النقد المباح":
- صحة الوقائع أو الاعتقاد بصحتها استناداً لأسباب معقولة: ألا تكون الوقائع مختلقة أو كاذبة.
- أن تكون الواقعة ذات مصلحة عامة: مثل نقد تصرفات موظف عام، أو تقييم عمل فني أو كتاب، أو نقد جودة خدمة يقدمها مطعم للجمهور.
- ملاءمة العبارات والاعتدال: ألا تتجاوز العبارات حدود النقد الموضوعي إلى التجريح الشخصي، والشتائم، والطعن في النوايا والشرف (فمثلاً: القول بأن "هذا المسلسل ضعيف الإخراج والحوار مبتذل" نقد مباح، أما القول بأن "المخرج شخص فاقد للأخلاق ومرتشٍ" فهو سب وقذف).
2. الدفوع الجوهرية لرد الاتهام الجنائي:
- الدفع بسقوط الحق في الشكوى بمضي المدة (المادة 3 إجراءات جنائية): إثبات علم الشاكي بالمنشور قبل أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم البلاغ الرسمي.
- الدفع بانعدام الركن الفني (تلفيق أو فبركة الحساب/الرسائل): الطعن بالتزوير أو طلب إعادة فحص الحساب بمعرفة لجنة من خبراء وزارة العدل لإثبات اختراق الحساب الشخصي (Hacking) أو استخدام برامج توليد محادثات واتساب وهمية (Fake Chat Generators).
- الدفع بعدم توافر العلانية: إثبات أن النشر تم في حيز ضيق ومغلق لا يطلع عليه غير أطرافه، ولم تنصرف نية المتهم لإ